اكتسب مفهوم الإبهار في الفن أبعاداً جديدة، بفضل التقنيات الحديثة التي يوظفها الفنانون في أعمالهم لتضع المُشاهِد تحت تأثير العمل الفني وتشابكاته، ثم تتركه محمّلاً بأسئلة أكثر مما حصل عليه من إجابات. يستكشف الفنان السعودي عبيد الصافي، من خلال أعماله المتنوعة، العلاقة بين التكنولوجيا والإبداع، وكيف يمكن للالفن الرقمي أن يعكس الأسئلة الوجودية ويساهم في فهم العالم من حولنا.

تحدث الصافي لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية توظيف التقنيات الحديثة في الأعمال الفنية، وأسلوبه الخاص المعتمد على الوسائط الجديدة، ومشاركته الأخيرة في احتفالية «نور الرياض»، بالإضافة إلى تأثير فوزه بجائزة «إثراء» الفنية. يمثل عمله الأخير، “سبعة محاور”، في “نور الرياض”، تجسيداً لفلسفته في دمج التكنولوجيا مع التراث الثقافي.

الفن والتقنية: ولادة لغة بصرية جديدة

يجمع عبيد الصافي بين خلفيته الأكاديمية في علوم الحاسب وشغفه بالفن، مما يتيح له استكشاف إمكانات التكنولوجيا في خلق تجارب فنية فريدة. يرى أن الوسائط الجديدة ليست مجرد أدوات، بل هي مواد خام يمكن للفنان تشكيلها للتعبير عن أفكاره ومشاعره. يوضح أن هذه الوسائط تمنحه القدرة على تصوير العمليات غير المرئية، وإنشاء أعمال تولد نفسها ذاتياً، وربط الجمهور بأنظمة تفاعلية.

ويؤكد أن التكنولوجيا لا تلغي دور الخيال والإبداع، بل تعززهما. فالعالم الرقمي، على تعقيده، يحمل في طياته لمسة شاعرية وإمكانيات جمالية غير محدودة. يرى الصافي أن الخوارزميات ليست مجرد منطق حسابي، بل هي أدوات لخلق لحظات وإحساسات، وأن التفاعل بين الدقة الحسابية والمشاعر الإنسانية هو جوهر تجربته الفنية.

الإلهام من البيئة والتراث

يعود الفضل في تشكيل خيال عبيد الصافي إلى البيئة المحلية التي نشأ فيها، وتحديداً قرية الفاو الأثرية جنوب غرب الرياض. يعتبرها ملهمته الأولى، بفضل طبيعتها الصحراوية وجذورها التاريخية. هذه البيئة، الغنية بالأسئلة الوجودية والخيال، دفعت الصافي إلى البحث عن طرق جديدة للتعبير عن علاقته بالعالم من حوله.

تتطور أفكار الصافي الفنية من خلال التجريب المستمر والتأمل في التفاصيل اليومية. يوضح أن العملية الإبداعية تبدأ بطرح سؤال، ثم تنطلق في رحلة استكشاف للبحث عن إجابات. وهذا ما يظهر جلياً في أعماله التي تتناول موضوعات مثل الذاكرة والهوية والعلاقة بين الإنسان والبيئة.

جائزة “إثراء” و”نور الرياض”: محطات في مسيرة الفنان

يعتبر فوز عبيد الصافي بجائزة «إثراء للفنون» في عام 2023 من اللحظات الفارقة في مسيرته. هذه الجائزة، التي حصدها عن عمله «نخيل في عناق أبدي»، أعطته ثقة أكبر في أسلوبه الفني وقدرته على التواصل مع الجمهور. كما ساهمت في تسليط الضوء على الفن المعاصر في السعودية، وإبراز إمكانات الفنانين السعوديين.

مشاركته الأخيرة في احتفالية «نور الرياض» من خلال عمله “سبعة محاور” تعزز من مكانته كواحد من أبرز الفنانين الرقميين في المنطقة. يمثل هذا العمل، الذي استخدم فيه الهياكل المعدنية وأجهزة العرض الضوئي والبرمجة المتخصصة، تجسيداً لفلسفته في دمج التكنولوجيا مع التراث الثقافي. يستوحي العمل من مفهوم الري المحوري، ويقدمه كرمز للتحول الاجتماعي من الزراعة إلى الحياة الحضرية، مع التركيز على رمزية الرقم سبعة في الثقافة الإنسانية.

“سبعة محاور”: تفاعل بين البيئة والتكنولوجيا

تم تصميم “سبعة محاور” على هيئة دوائر ضوئية تفاعلية تجسد سبع حالات من التحول التي تمر بها المدن، بالإضافة إلى سبع محطات في رحلة الإنسان نحو معرفة ذاته. يهدف العمل إلى دعوة الجمهور إلى اختبار هذا التحول بأنفسهم، حيث تتشكل الدوائر الضوئية وتتغير استجابةً لحركاتهم.

يرى الصافي أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا، وأن الفن يجب أن يعكس هذا التحول. ومع ذلك، يؤكد أن الفنان يجب أن يستخدم التكنولوجيا كو سيلة لطرح الأسئلة، وليس كغاية في حد ذاتها. الفن، في نظره، هو مساحة للفهم والتأمل، وليس مجرد وسيلة للهروب من الواقع.

يشير الصافي إلى أن الفن الحديث لا يقتصر على استخدام التكنولوجيا أو المواد التقليدية، بل على القدرة على خلق لغة بصرية معاصرة تنطلق من المحلية وتتواصل مع العالمية. ويتطلع إلى بناء عمل فني دائم في الرياض، وإيجاد فرص لعرض أعماله في المتاحف والمعارض الدولية.

في الختام، يرى عبيد الصافي أن الفن يجب أن يكون مساحة لفهم العالم، لا للهروب منه. ومن المتوقع أن يستمر في استكشاف إمكانات التكنولوجيا في خلق تجارب فنية فريدة، وأن يساهم في إثراء المشهد الفني المعاصر في السعودية والعالم. سيراقب المهتمون تطور أسلوبه الفني ومشاركته في المعارض المستقبلية، بالإضافة إلى تأثير أعماله على الحوار الثقافي حول العلاقة بين التكنولوجيا والإبداع.

شاركها.