تُعدّ الممثلة الألمانية ساندرا هولر، المشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي، وجهاً بارزاً يتجاوز مجرد الأداء إلى تقديم عمق شخصي وفكري في أدوارها. في حديث خاص، وصفت هولر مشاركتها في فيلم «روز» بأنها «مرحلة فارقة» في مسيرتها المهنية، مؤكدة على أهمية حماية هذه المرحلة الاستثنائية. يأتي هذا التصريح في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو أدائها المتقن، والذي يثير التوقعات حول الجوائز المرموقة.

ساندرا هولر: “روز” تمثل مرحلة فارقة في مسيرتي وعليَّ حمايتها

في تفاصيل فيلم «روز»، تلعب ساندرا هولر دور امرأة تتنكّر في زيّ رجل لسنوات طويلة، عائدة من ساحات الحرب للمطالبة بأرض والدها. يتصاعد الصراع الدرامي حين تُمنح هويتها الذكورية الأرض، وتبدأ بالعمل فيها لتعزيز مكانتها. لكن السر الذي تحمله «روز» حول هويتها الجنسية يظلّ هاجساً، خاصةً عندما تتزوج فتاة قروية، لتكتشف الأخيرة الحقيقة في مراحل لاحقة من الفيلم. هذا الدور المعقد، الذي يتطلب دقة عالية في التعبير عن التناقضات الداخلية، هو ما جذب هولر وجعلها ترى فيه فرصة لتحدي ذاتها كممثلة.

يستند الفيلم إلى خلفية تاريخية دقيقة، حيث الحرب الدينية التي اندلعت بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا. رغم أن الفيلم لا يتناول الحرب بشكل مباشر، إلا أن أجواء تلك الحقبة التاريخية تلوّن الأحداث، وتبرز التحديات التي واجهت الأفراد في سعيهم للقبول وإثبات الذات. يأتي هذا العمل ضمن اهتمام المخرج بالموضوعات الاستثنائية والشخصيات التي تبحث عن هويتها أو مكانها في مجتمع غالباً ما يكون قاسياً. سبق للمخرج أن تناول قصة «أنجيلو سليمان»، العبد الأفريقي الذي دخل البلاط النمساوي في القرن الثامن عشر وترقى ليصبح أحد صبيان البلاط، في فيلم «أنجيلو». كلا الفيلمين، «روز» و«أنجيلو»، يشتركان في البحث عن القبول والغوص في فترات تاريخية بعيدة، مع لمسة من الأهمية الدينية في سياقاتهما. ما يميز «روز» هو تصويره بالأبيض والأسود، مما يضيف بعداً جمالياً خاصاً للقصة.

دوافع أداء الأدوار المركبة

تُعدّ ساندرا هولر اختياراً ملهماً للمخرج، نظراً لخبرتها المسرحية والسينمائية الطويلة. اكتسبت شهرة عالمية في السنوات الخمس الأخيرة من خلال أدوارها اللافتة في أفلام حازت على جوائز ودخلت مسابقات دولية. من أبرز هذه الأدوار كان دورها في فيلم «منطقة الاهتمام» عام 2023، حيث لعبت دور زوجة ضابط نازي، وهو الدور الذي رشحت عنه لجائزة الأوسكار. في حوارها، أوضحت هولر أن عمق وبُعد شخصية «روز» كانا دافعاً أساسياً لقبول الدور. «الشخصيات غير المعقدة لا تمنح الممثل فرصة تحدي ذاته»، قالت هولر، مؤكدة على رغبتها في استكشاف جوانب أعمق للشخصيات.

فيما يتعلق بالسيناريو، لم يكن لدى هولر سوى تساؤلات استيضاحية بسيطة، مشيرة إلى جودة الكتابة ودقة المخرج. «السيناريو مكتوب جيداً، ولم يكن هناك أي سبب للبحث خارج ما هو عليه»، وأضافت أن المخرج «شلاينزر» دقيق جداً في عمله، سواء ككاتب أو كمخرج. أما عن تحديات تجسيد شخصية «روز»، فقد أوضحت هولر أن الشخصية تتميز بالثقة المطلقة في أفعالها، وفي الوقت نفسه، تعيش خوفاً مستمراً من كشف حقيقتها. كان الحفاظ على هذا التناقض ضمنياً وغير مباشر تحدياً كبيراً في الأداء، يتطلب جهداً خاصاً لإظهاره دون تصريح مباشر.

التصوير المتقطع والتحديات المهنية

واجهت هولر تحدياً إضافياً بسبب طبيعة تصوير فيلم «روز»، الذي قُسِّم على مرحلتين متباعدتين زمنياً. «كان هذا صعباً؛ لأن المسافة الزمنية بين كل مرحلة تصوير بلغت أشهراً»، وأوضحت أنهما صورا الربيع والصيف في مرحلة، ثم انتظروا الخريف والشتاء للمرحلة الأخرى. كان عليها أن تحافظ على استمرارية الأداء بنفس المستوى طوال هذه الفترة، وهو ما يتطلب تركيزاً عالياً وقدرة على استحضار الشخصية مجدداً.

عندما رُشحت هولر لجائزة الأوسكار عن دورها في «منطقة الاهتمام»، أعربت عن سعادتها بالترشيح، واعتبرت فوز ممثلة أخرى أمراً طبيعياً ومتوقعاً في عالم المنافسة. «على كل ممثل يدخل الترشيحات أن يكون مستعداً للنتيجة مهما كانت»، أكدت. ترى هولر أن دورها في «منطقة الاهتمام» كان نقطة تحول حقيقية في مسيرتها، وفتحت لها أبواباً لمشاريع أوروبية وأميركية عديدة. «هذه مرحلة فارقة في مهنتي، وأريد أن أحميها من الشعور بأنني وصلتُ إلى حد أعلى مما كنتُ عليه»، قالت، مؤكدة على أهمية الاستمرار في النمو والتطور في العمل حتى لا يتراجع الممثل. لقد كانت مترددة في البداية بشأن تجسيد دور الزوجة النازية في «منطقة الاهتمام»، خوفاً من أن تُعطي صورة إيجابية للشخصية، لكنها اقتنعت بأن الدور سلبي ولن يثير الإعجاب.

أما عن قلة الحوار في أفلامها، مثل «روز» و«منطقة الاهتمام»، خصوصاً بين شخصيتيها، فقد أشارت هولر إلى أن «لن يكون مفيداً شرح ما تستطيع الصورة أن تشرحه بمفردها». هذه الفلسفة في التعبير بصرياً، بدلاً من الاعتماد على الحوار المباشر، تعكس فهماً عميقاً لطبيعة السينما وقدرتها على إيصال المشاعر والأفكار غير المعلنة.

في ختام هذه المرحلة المتميزة من مسيرة ساندرا هولر، تظل الأنظار مترقبة لأدائها في فيلم «روز» وتقييمات النقاد والجمهور. كما ستكون خطوتها القادمة وما ستختاره من مشاريع مستقبلية مؤشراً مهماً على كيفية تعاملها مع النجاح الحالي وخططها للحفاظ على مسار مهني متنامٍ ومتطور.

شاركها.