ماتيس: الحياة الثانية في باريس – معرض يكشف عن عصره الذهبي الإبداعي
الحياة الثانية لماتيس
في تحدٍّ للمنظور التقليدي لسنوات الفنان الأخيرة، يقدم معرض “ماتيس… 1941 – 1954” في باريس دليلاً مبهراً على فترة نمو إبداعي عميق للفنان الفرنسي هنري ماتيس، امتدت حتى نهاية حياته. يستعرض المعرض، الذي يعد تعاوناً بين مركز بومبيدو وغراند باليه، حياة الفنان بعد بلوغه الثمانين، وما وصفه بـ “حياة ثانية” اتسمت بتجاوز حدود لوحاته الشهيرة إلى استكشاف وسائط فنية جديدة ومبتكرة.
يضم المعرض أكثر من 300 عمل فني، بعضها يُعرض لأول مرة، ويشمل رسوماً ابتكارية، وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ زجاجية ملونة. هذه الأعمال تتحدى فكرة الاضمحلال الحتمي في أواخر عمر الفنان، لتكشف عن دافع مزدهر نحو التجريب والبساطة التي تطلبت عقوداً من الخبرة.
كانت فترة نهاية العقد الرابع من القرن العشرين نقطة تحول في حياة ماتيس، لم تندرج فقط ضمن سياق مرضه الشخصي، بل تأثرت أيضاً بالأحداث الجيوسياسية. فمع غزو النازيين لفرنسا عام 1940، عاد ماتيس إلى منزله في جنوب فرنسا، التي كانت آنذاك منطقة حرة. وفي عام 1943، أجبرته التهديدات الألمانية على الانتقال إلى فيلا “لا ريف” (الحلم) في التلال، حيث وجد بعض الراحة وسط الطبيعة الخضراء.
لم تخلُ هذه الفترة من الشدائد، ففي ربيع عام 1944، ألقت “الجستابو” القبض على زوجته وابنته لدورهما في المقاومة. وعلى الرغم من تصنيف النازيين له كـ “فنان منحلة وفاسد”، رفض ماتيس عرض أعماله خلال الحرب، كما رفض مغادرة فرنسا، معتبراً ذلك تخلياً عن وطنه ومستقبله. ومع ذلك، واصل عمله بجد وإصرار على نطاق خاص.
ألوان ومزهريات
يفتتح المعرض أعماله بلوحات مضيئة على القماش، تبدو وكأنها تتحدى الفوضى والخطر المحيط بفترة إنتاجها. تهيمن ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة على لوحات تصور الحياة الثابتة، مثل مزهريات تحمل زهر الليمون على طاولات. يبرز في هذه الأعمال استخدام الألوان الزاهية لتصوير جمال بسيط.
تعرض سلسلة من التصاميم الداخلية، التي تتميز بخطوط سميكة ومبسّطة، غرفاً مضاءة بأشعة الشمس. تصور هذه الأعمال نساء يجلسن باسترخاء على مقاعد مخططة، أو يحتسين القهوة في باريس. غالبًا ما تكون النافذة مفتوحة على مصراعيها، مع ظهور أوراق الشجر المتساقطة في الخارج.
“موضوعات وتنويعات”
في هذه الفترة، اتجه ماتيس أيضاً إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي وصفها بأنها كتب “مزينة” أكثر من كونها “مصورة”، حيث اعتقد أن العناصر البصرية لا تقل أهمية عن النص المكتوب. أنتج الفنان مئات الصور الشخصية، مع تكرار للوجوه نفسها مع اختلافات طفيفة، مما يعكس اهتمامه بالتنويعات الدقيقة.
تضم المجموعة 12 لوحة تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع وتعبيرات وزوايا متنوعة. وتعرض مجموعات أخرى نساء يتكئن أو مشاهد من الحياة الثابتة، حيث تختلف كل صورة قليلاً عن الأخرى، مثل تحركات الكادرات المتتابعة في الأفلام السينمائية. أطلق ماتيس على هذه المجموعات المتسلسلة اسم “موضوعات وتنويعات”، وقد اختزل فيها خطه المتموج المميز إلى ضربات مفردة واثقة من الحبر على الورق.
عالم من القصاصات
يحتوي المعرض على غرفة دائرية مظلمة تعرض 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من قصاصات ورقية ملونة بالجواش والألوان المائية. تتميز هذه الأعمال بلمسات نهائية غير لامعة ودرجات لونية مشبعة بكثافة، مستوحاة من ألوان الأحجار الكريمة.
تتنوع هذه الأعمال، ذات الألوان العميقة المشعّة، بين الأنماط البسيطة ذات اللونين والتصميمات المعقدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة. من أبرز هذه الأعمال لوحة “إيكاروس”، التي أعاد ماتيس إنتاجها عدة مرات. تصور اللوحة شخص إيكاروس يسقط نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين ممدودتين، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، وسماء بلون اللازورد مرصعة بنجوم صفراء مسننة.
بحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في “لا ريف” مغطاة بأعمال الكولاج الملونة بالجواش، والتي استدعت الطبيعة من خلال صور مثل سعف النخيل، المرجان، الطيور، الأسماك، النجوم، والشمس.
الألوان المحلّقة الطائرة
كان المرسم بالنسبة لماتيس “مصنعاً” للإنتاج الفني المستمر. يوضح فيلم نادر يعود لعام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة لقص أشكال من الورق الملون، مستخدماً حركات سلسة وغريزية، امتداداً لعمله بالفرشاة أو القلم الرصاص.
قال الفنان في عام 1952: “لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات”. يظهر هذا الشعور بالتحليق في الأقسام الأخيرة للمعرض، من خلال سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة، تتجسد في أعمال متتالية.
تنتقل الأعمال من المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة “ذا سنيل” (الحلزون)، إلى أوراق النبات المنسابة في لوحة “أفنثوس”، وسعف النخيل المتألق في لوحة “ذا شيف”، وصولاً إلى الأشكال المتعرجة في لوحة “ذا أكروبات” (الألعاب البهلوانية)، وأربع أعمال باسم “بلو نيود”. في هذه الأعمال الأخيرة، تظهر المرأة في تموجات من خلال أوضاع متنوعة، محددة ببراعة ودرجة لونية برّاقة، بالإضافة إلى قصاصات ورقية ملصقة على لوحة فارغة.
إنها رحلة فنية تبعث على الارتياح، تظهر كيف استطاع فنٌ اكتسب بساطته بشق الأنفس عبر 84 عاماً أن يخلق أعمالاً خالدة. المعرض، الذي يستمر حتى يوليو 2026، يمثل فرصة فريدة لإعادة اكتشاف عمق وتنوع مسيرة ماتيس الإبداعية في مرحلته الأخيرة.
