كشفت دراسة حديثة أن التسوق الإلكتروني، الذي يعتبره الكثيرون وسيلة للاسترخاء والترفيه، قد يكون مرتبطًا بزيادة مستويات التوتر والقلق لدى المستخدمين. وبحسب الباحثين، فإن هذا النشاط الرقمي قد يمثل ضغطًا نفسيًا إضافيًا، خاصةً مقارنة بأنشطة أخرى مثل تصفح الأخبار أو استخدام البريد الإلكتروني. أجريت الدراسة في فنلندا وشملت تحليل بيانات استخدام الإنترنت لمجموعة كبيرة من المشاركين على مدى عدة أشهر.

وتشير النتائج، التي نُشرت في دورية “Journal of Medical Internet Research”، إلى أن العلاقة بين استخدام الإنترنت والصحة النفسية أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا. ففي حين أن البعض يلجأ إلى الإنترنت كوسيلة للهروب من ضغوط الحياة، يبدو أن بعض الأنشطة قد تؤدي إلى تفاقم هذه الضغوط، مما يثير تساؤلات حول تأثير العادات الرقمية على الرفاهية النفسية.

تأثير التسوق الإلكتروني على الصحة النفسية

لطالما اعتبر التسوق الإلكتروني وسيلة مريحة لتلبية الاحتياجات والرغبات دون الحاجة إلى مغادرة المنزل. ومع ذلك، وجدت الدراسة أن هذه الراحة الظاهرية قد تخفي وراءها تأثيرات سلبية على الصحة النفسية. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، بما في ذلك الضغط لاتخاذ القرارات، ومقارنة الذات بالآخرين، والخوف من فقدان العروض الجيدة.

النتائج الرئيسية للدراسة

تتبع الباحثون سلوك أكثر من 1500 شخص بالغ على مدار سبعة أشهر، وقاموا بتحليل بيانات استخدامهم للإنترنت، بما في ذلك عدد الزيارات للمواقع الإلكترونية واستخدام التطبيقات المختلفة. وتم ربط هذه البيانات بتقارير المشاركين عن مستويات التوتر لديهم. أظهرت التحليلات أن التسوق الإلكتروني، إلى جانب استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، كان من بين الأنشطة الرقمية الأكثر ارتباطًا بمشاعر الإجهاد.

بالإضافة إلى ذلك، كشفت الدراسة عن اختلافات في تأثير الإنترنت على التوتر بين الجنسين والفئات العمرية المختلفة. فقد أبلغت النساء عن مستويات توتر أعلى من الرجال، بينما انخفضت مستويات التوتر لدى المشاركين الأكبر سنًا والأكثر ثراءً. وهذا يشير إلى أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية قد تلعب دورًا في كيفية تأثير الإنترنت على الصحة النفسية.

في المقابل، أظهرت الدراسة أن قراءة البريد الإلكتروني وتصفح الأخبار كان مرتبطًا بمستويات أقل من التوتر. ويرى الباحثون أن هذا قد يكون بسبب أن هذه الأنشطة توفر شعورًا بالمعرفة والتحكم، مما يساعد على تقليل القلق. ومع ذلك، لاحظوا أيضًا أن الأشخاص الأكثر توترًا يميلون إلى تقليل استهلاكهم للأخبار، ربما كآلية للتكيف مع الضغوط النفسية.

وتشير الأبحاث إلى أن الإفراط في استخدام الإنترنت، وخاصةً الأنشطة التي تتطلب تفاعلًا مستمرًا مثل التسوق عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، يمكن أن يؤدي إلى إرهاق عقلي وتقليل القدرة على التركيز. كما يمكن أن يساهم في الشعور بالعزلة الاجتماعية والاكتئاب، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون بالفعل من مشاكل في الصحة النفسية. هذه النتائج تتوافق مع دراسات سابقة حول تأثير التكنولوجيا على الصحة العقلية، والتي سلطت الضوء على أهمية تحقيق التوازن بين الحياة الرقمية والحياة الواقعية.

وتشير الدراسة إلى أن العلاقة بين استخدام الإنترنت والتوتر قد تكون ثنائية الاتجاه. فقد يلجأ الأشخاص إلى الإنترنت كوسيلة للتعامل مع التوتر، ولكن في الوقت نفسه، قد يؤدي الاستخدام المفرط لبعض الأنشطة الرقمية إلى زيادة مستويات التوتر لديهم. وهذا يطرح سؤالًا مهمًا: هل نستخدم الإنترنت كأداة للتكيف مع الضغوط، أم أنه يصبح مصدرًا إضافيًا للتوتر؟

من الجدير بالذكر أن الدراسة لم تحدد بشكل قاطع سبب هذه العلاقة بين التسوق الإلكتروني والتوتر. ومع ذلك، يقترح الباحثون أن الضغط لاتخاذ القرارات، ومقارنة الأسعار، والخوف من عدم العثور على ما تبحث عنه، قد تساهم جميعها في زيادة مستويات التوتر. بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي التسوق الإلكتروني إلى الشعور بالذنب أو الندم بعد إجراء عملية شراء، خاصةً إذا كانت غير ضرورية أو باهظة الثمن.

تأتي هذه النتائج في وقت يشهد فيه العالم نموًا هائلاً في التجارة الإلكترونية، خاصةً في ظل جائحة كوفيد-19. وبحسب تقارير حديثة، فإن حجم مبيعات التجزئة عبر الإنترنت قد ارتفع بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ومن المتوقع أن يستمر هذا النمو في المستقبل. وهذا يجعل فهم تأثير التسوق الإلكتروني على الصحة النفسية أكثر أهمية من أي وقت مضى.

في الختام، تؤكد هذه الدراسة على الحاجة إلى مزيد من البحث لفهم العلاقة المعقدة بين استخدام الإنترنت والصحة النفسية. ويأمل الباحثون أن تساهم نتائجهم في تطوير استراتيجيات لمساعدة المستخدمين على تنظيم سلوكهم على الإنترنت وتقليل تأثير الأنشطة الرقمية على مستويات التوتر لديهم. من المتوقع أن يتم إجراء المزيد من الدراسات في هذا المجال في المستقبل القريب، مع التركيز على تحديد العوامل التي تزيد من خطر التوتر المرتبط بالإنترنت وتطوير تدخلات فعالة للوقاية منه.

شاركها.