في قلب دمشق القديمة، تشهد بيوت دمشق العتيقة تحولاً ملحوظاً نحو استعادة بريقها بعد سنوات من الإهمال والتراجع بسبب الحرب والحصار. بدأت أعمال الترميم في ثلاثة من أهم هذه البيوت – بيت السباعي، وبيت نظام، وبيت القوتلي – بتمويل من صندوق الآغا خان للثقافة، بهدف الحفاظ على هذا التراث المعماري الفريد وفتح آفاق جديدة لاستقبال السياحة الثقافية.

هذه المبادرة ليست مجرد ترميم للمباني، بل هي جزء من خطة أوسع نطاقاً لإعادة إحياء دمشق القديمة، التي تعتبر من أقدم المدن المأهولة في العالم وموقعاً تراثياً عالمياً وفقاً لليونسكو. تأتي هذه الجهود في ظل حاجة ملحة لإعادة تنشيط القطاع السياحي الذي تضرر بشدة بسبب الأزمة السورية، وتوفير فرص عمل للشباب.

استعادة بيوت دمشق العتيقة: رحلة عبر الزمن

تتميز بيوت دمشق العتيقة بتصميمها الفريد الذي يعكس ثقافة المدينة وتاريخها العريق، حيث تتجمع العناصر المعمارية الإسلامية والمحلية مع لمسات من الفن الباروكي. تشترك هذه البيوت في خصائص مميزة مثل “البحرة” (النافورة الداخلية)، والإيوانات، والأفنية المزروعة بأشجار الحمضيات والياسمين، بالإضافة إلى الزخارف والنقوش الرائعة التي تزين الجدران والأسقف.

بيت السباعي: تحفة معمارية من القرن الثامن عشر

يعتبر بيت السباعي من أقدم وأجمل البيوت الدمشقية، حيث يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر. يتميز هذا البيت بتصميمه المتناسق واستخدامه لمواد بناء فاخرة مثل الحجر الأسود والبازلت والرخام الإيطالي. وفقاً للمهندس بشر بري، المشرف على مشروع الترميم، يحتوي البيت على زخارف فريدة تعكس الهوية الدمشقية في تلك الفترة.

يشمل البيت فسحة سماوية (فناء داخلي) وإيواناً جنوبياً وقاعة رئيسية مزينة بنقوش دقيقة وتواريخ هجرية وميلادية. حرص فريق الترميم على الحفاظ على هذه العناصر الأصلية وإعادة ترميمها بعناية، مع إزالة الطبقات غير الأصلية التي أضافت مع مرور الوقت، كما ذكر المهندس بشر.

بيت نظام: أجواء “باب الحارة” تعود للحياة

يشتهر بيت نظام بجمالياته الفريدة وتصميمه الذي يجمع بين الطراز الدمشقي التقليدي والعناصر الباروكية. اشتهر هذا البيت بعد استخدامه كموقع تصوير لبعض مشاهد مسلسل “باب الحارة” الشهير، مما زاد من شهرته وأهميته الثقافية.

يتميز هذا البيت بباحاته المتعددة وزخارفه المنمقة، حيث تعمل فرق الترميم على إعادة تأهيل الجدران والأسقف والنوافذ، بالإضافة إلى ترميم العناصر الخشبية والحجرية. يقول المهندس بشر إن البيت كان يعج بالحياة خلال فترة تصوير المسلسل، ويعبر الزوار عن سعادتهم بزيارة المكان الذي شهد تصوير مشاهد مسلسلهم المفضل.

بيت القوتلي: رمز للتراث السياسي والثقافي

يعتبر بيت القوتلي من البيوت العريقة في دمشق، حيث يعود تاريخه إلى عائلة القوتلي التي قدمت العديد من الشخصيات السياسية والثقافية البارزة. يرجح أن يكون الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي قد ولد في هذا البيت، مما يجعله رمزاً للتراث السياسي السوري.

يتطلب هذا البيت جهوداً كبيرة لإعادة تأهيله بسبب الأضرار التي لحقت به خلال فترة الحرب. يتم حالياً ترميم الجدران والأسقف والعناصر الزخرفية، مع الحرص على استخدام نفس المواد الأصلية التي استخدمت في بنائه. وتعمل فرق الترميم على إعادة بناء الشرفات واستكمال تجهيزات البيت لاستقبال الزوار.

تحديات ومستقبل بيوت دمشق العتيقة

تواجه أعمال الترميم في بيوت دمشق العتيقة العديد من التحديات، بما في ذلك نقص التمويل وصعوبة الحصول على المواد الأصلية وارتفاع تكاليف العمالة الماهرة. بالإضافة إلى ذلك، تتطلب عملية الترميم خبرة ومعرفة متخصصة للحفاظ على العناصر المعمارية والثقافية الأصلية.

صرح غطفان عجوب، الممثل المقيم لشبكة الآغا خان للتنمية، بأنه تم تأجيل فكرة إنشاء فندق في أرض فضاء مجاورة للبيوت الثلاثة بناءً على توجيهات الأمير رحيم آغا خان، وذلك للتركيز على دعم سوريا وتقديم المساعدة اللازمة في هذه المرحلة. وأكد عجوب أن الشبكة تعمل على تطوير خطة شاملة لإعادة إحياء المنطقة المحيطة بالبيوت، بما في ذلك ترميم المباني التاريخية وتطوير البنية التحتية وتعزيز السياحة الثقافية.

من المتوقع أن تنتهي أعمال الترميم في البيوت الثلاثة بحلول نهاية عام 2026، على أن يتم تخصيصها لاستقبال الأنشطة الثقافية وتنظيم المعارض والفعاليات السياحية. في الوقت الحالي، تعتمد الجهود على استمرار الدعم المالي والإشراف الفني لضمان نجاح المشروع والحفاظ على هذا التراث الثقافي للأجيال القادمة. يبقى رفع الحصار الاقتصادي عن سوريا عاملاً مهماً في تسريع وتيرة هذه المشروعات وتوفير الموارد اللازمة لإعادة إحياء دمشق القديمة.

شاركها.