«معركة خاسرة»… اقتحامات قردة البابون تفاقم الصراع بين السكان والحياة البرية في كيب تاون

في كيب تاون، تتفاقم حدة التوتر بين سكان الأحياء المطلة على جبل الطاولة وبين قردة البابون، في صراع مرير تتزايد فيه الاعتداءات والاقتحامات، مما يعمق الانقسام حول مستقبل التعايش مع هذه القرود البرية. الوضع الذي وصفته خطة إدارة بابون الكيب لعام 2025 بأنه “مشكلة معقدة مستعصية” يشهد تصاعداً في المواجهات، ليصل إلى درجة استخدام رذاذ الفلفل في احتجاجات محلية.

شهد حي “دا غاما بارك” في الآونة الأخيرة تزايداً في جرأة قردة البابون، حيث بدأت تقفز بخفة على أسطح المنازل وجدران الحدائق، وتشكل مشهداً بات مألوفاً للسكان. وعلى الضفة الأخرى، تروي نيكولا دي شود، المقيمة في “سايمونز تاون”، قصصاً مؤثرة عن اقتحامات مفاجئة لمطبخها، وعن كلبها الذي ألقاه أحد القردة عبر الشرفة، وصولاً إلى حادثة اقتحام ذكر بابون لمنزلها ورفضه المغادرة لدقائق بدت كأنها دهر.

المساحة المتناقصة والتحديات المتزايدة

يغطي متنزه جبل الطاولة الوطني مساحة شاسعة تقدر بنحو 25 ألف هكتار، لكن هذا الملاذ الطبيعي مجزأ، مما يدفع قردة “الشاكما” إلى البحث عن مصادر غذاء في المناطق المنخفضة. تشهد هذه المناطق نمواً سكانياً متسارعاً، حيث زاد عدد سكان كيب تاون بنسبة 65% بين عامي 2001 و2022، ليصل إلى 4.8 مليون نسمة. هذه الزيادة السكانية أدت إلى تضييق المساحات الطبيعية المتاحة للحياة البرية.

في المقابل، لوحظ ارتفاع موازٍ في أعداد قردة البابون، التي لا تواجه مفترسات طبيعية في شبه جزيرة الكيب. فقد ارتفع عددها من حوالي 360 قرداً موزعة على عشرة قطعان في مطلع القرن، إلى أكثر من 600 قرداً ضمن 17 قطيعاً بحلول عام 2024. ومع اعتياد هذه القطعان على مصادر الغذاء البشرية عالية السعرات، زادت وتيرة الوفيات المرتبطة بالبشر، سواء بالقتل بالرصاص، أو الدهس بالسيارات، أو الهجوم من الكلاب، أو الصعق الكهربائي. فقد ارتفع عدد قردة البابون التي نفقت لأسباب بشرية من 4 حالات عام 2013 إلى 33 حالة عام 2024.

وجهات نظر متباينة حول التعايش

يدعو نشطاء حقوق الحيوان السكان إلى تحمل مسؤولية أكبر في التعايش، من خلال إحكام إغلاق حاويات القمامة، وتأمين المنازل، وتدريب الكلاب على عدم مهاجمة القردة. وتطالب ليندا سيلك، الناشطة والمعالجة، بمزيد من المساءلة، مشيرة إلى غياب إدانات ناجحة ضد من يطلقون النار على قردة البابون.

في المقابل، يرى توم كوهين، الصحافي الأمريكي المتقاعد في كيب تاون، أن التعايش السلمي أمر مستحيل. ويعتبر أن القردة التي اعتادت على الغذاء البشري والمستوطنات “لم تعد قردة برية”. ويحكي عن تجربته الشخصية في تحصين منزله، لكن القردة تمكنت من تحطيم نافذة والدخول، مخلفة وراءها فوضى ورائحة كريهة.

خطط الإدارة والمقاومة القانونية

وافقت الحكومة على بناء أسوار في بعض المناطق لعزل القردة، وتطبيق لائحة “صفر تسامح” تجاه إيذاء الرئيسيات. وفي “سايمونز تاون”، حيث يعتبر بناء سياج أمراً غير عملي، تقترح السلطات نقل قطيعين إلى محمية، مع إبقاء القتل الرحيم كخيار أخير.

تواجه هذه الخطة تحديات قانونية، حيث يعترض نشطاء على فكرة المحمية، ويفضلون الاعتماد على الحراس الذين يستخدمون كرات الطلاء لإبعاد القردة. وتقول ساندي ماكدونالد، من منظمة “حفظ مدني لشبه جزيرة الكيب”، إن قرار النقل أو الإعدام اتُخذ قبل استقرار الإدارة الجديدة لحراس البابون، وتؤكد أن دخول القردة للمناطق السكنية قد تراجع. بينما ترفض نيرين دورمان، المقيمة في “ويلكوم غلين”، فكرة المحمية وتعتبر أن الإعدام أفضل من “الحبس في أسر دائم”.

معركة مستمرة نحو المجهول

تؤكد جوسلين مورميل، العالمة في “شراكة بابون الكيب”، أن الحراس وحدهم لا يمكنهم حل المشكلة في “سايمونز تاون”، واصفة الوضع بأنه “معركة خاسرة يومياً”. وتذكر مورميل تجربة قرية “روي – إلس” التي اعتمد سكانها نهج التعايش، لكن معدلات نفوق صغار القردة بالدهس ظلت مرتفعة.

يُحمل جاستن أورايين، أستاذ في جامعة كيب تاون، نشطاء الرفق بالحيوان جزءاً من المسؤولية، مشيراً إلى الطعون القانونية التي عطلت قرارات إدارية مهمة. ويقول: “لا توجد مساءلة لأولئك الذين ينتقدون أساليب إدارة البابون من دون تقديم بديل عملي قابل للتنفيذ”.

يبقى مستقبل إدارة قردة البابون في كيب تاون محاطاً بالغموض، مع تباين الآراء وتصاعد التوترات، ويترقب السكان والناشطون الخطوات المستقبلية للسلطات في ظل هذه “المعركة الخاسرة” التي تبدو مستمرة.

شاركها.