يحتفي معرض فني استثنائي في باريس بالحياة الثانية للفنان الفرنسي هنري ماتيس، مسلطاً الضوء على إبداعه المتجدد في آخر 13 عاماً من حياته، وهي الفترة التي شهدت تحولاً عميقاً في أسلوبه الفني. يقدم معرض “ماتيس… 1941 – 1954″، وهو تعاون ملفت بين مركز بومبيدو وجراند باليه، استكشافاً شاملاً لأعمال ماتيس المتنوعة، من رسومات وقصاصات إلى كتب مصورة ومنسوجات، متحدياً بذلك المفهوم التقليدي لسنوات الفنان الأخيرة.

يستمر المعرض، الذي يضم أكثر من 300 عمل فني معار، بعضها يُعرض لأول مرة، حتى يوليو 2026. ويعرض المعرض كيف تجاوزت أعمال ماتيس في هذه الحقبة نطاق لوحاته الشهيرة، ليقدم رؤية جديدة للحياة الثانية لماتيس، حيث تجلى لديه دافع مزدهر لتجربة وسائط جديدة وبساطة تتطلب عمراً كاملاً لإتقانها.

الحياة الثانية لماتيس: رحلة إبداعية جديدة

شهدت هذه الحقبة من حياة ماتيس، والتي بدأت بعد محنة صحية وعالمية، انفجاراً إبداعياً غير مسبوق. ففي عام 1941، وبعد خضوعه لعملية جراحية معقدة لمكافحة سرطان الأمعاء، شعر ماتيس كأنه يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي. وصف ماتيس هذه الفترة بـ”حياة ثانية” في خطاب لابنه بيير، معبراً عن شغفه المتجدد بالفنون رغم تقدمه في السن.

وقد تزامن هذا التحول الإبداعي مع تحديات شخصية وسياسية. فمع غزو النازيين لفرنسا في عام 1940، اضطر ماتيس للانتقال إلى جنوب فرنسا. وعلى الرغم من القبض على زوجته وابنته بتهمة المقاومة، ووصمه من قبل النازيين كـ”فنان منحني وفاسد”، لم يتوقف ماتيس عن العمل، بل واصل إبداعه في فترة من الانغلاق النسبي.

ألوان نابضة بالحياة وموضوعات متجددة

تفتتح الأعمال المعروضة في جراند باليه، مرتبة زمنياً، بلوحات مضيئة تتحدى بصرياً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. تهيمن الألوان الجريئة مثل الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة على تصويراته لمفردات الحياة اليومية، كالمزهريات المزهرة والغرف المشمسة. هذه الأعمال تعكس هدوءً داخلياً وتركيزاً على الجماليات البسيطة، حتى في ظل الظروف القاسية.

بالإضافة إلى اللوحات، يتجه ماتيس في هذه الفترة إلى الرسم والعمل على المطبوعات، واصفاً إياها بـ”الكتب المزينة” بدلاً من “المصورة”، مؤكداً على تكافؤ أهمية العناصر البصرية والنصية. أنتج ماتيس مئات الصور الشخصية، بما في ذلك سلسلة شهيرة تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع وزوايا مختلفة. هذه السلاسل، التي أطلق عليها “موضوعات وتنويعات”، تبرز براعة ماتيس في الاختزال، حيث يصل بخطوطه إلى تجلياتها الأبسط، في ضربات مفردة واثقة للحبر على الورق.

عالم من الكولاج والقصاصات الملونة

من أبرز مظاهر “الحياة الثانية” لماتيس هي إبداعاته باستخدام قصاصات الجواش الملونة. خصص المعرض غرفة مظلمة لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك. تتميز هذه الأعمال بألوانها المشبعة العميقة، المستوحاة من الأحجار الكريمة، وتتراوح بين الأنماط البسيطة ثنائية اللون والتصميمات المعقدة المزخرفة. الأعمال المعروضة، مثل “إيكاروس” الشهيرة، تصور الأسطورة بجرأة بصرية، جسد أسود نحو الشمس، وقلب برتقالي نابض بالحياة، وسماء زرقاء مرصعة بنجوم صفراء.

بحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في “لا ريف” قد امتلأت بأعمال الكولاج الملونة، التي استدعت عناصر من الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والأسماك. كان المرسم بالنسبة لماتيس “مصنعاً” للإنتاجية. يوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 كيف كان ماتيس يستخدم مقصات ضخمة لقص الأشكال الورقية، بحركات سلسة وغريزية، امتداداً طبيعياً لعمله بالفرشاة والقلم الرصاص.

الألوان التحليقية والنهايات المبهرة

في عام 1952، عبّر ماتيس عن شعوره بالتحليق الذي تفجر داخله، والذي ساعد في توجيه حركة يده بالمقصات. يتجلى هذا الشعور في الأقسام الأخيرة للمعرض، حيث تبرز سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة، ابتداءً من لوحة “الحلزون” وصولاً إلى أعمال “بلو نيود” الأخيرة. في هذه الأعمال، تظهر أشكال نسائية في أوضاع متنوعة، محددة بدقة بلمسات لونية براقة وقصاصات ورقية ملصقة على لوحات بسيطة.

إن بساطة هذه الأعمال، التي ولدت من 84 عاماً من الخبرة الفنية، تحمل شعوراً منعشاً ومطمئناً. يعرض المعرض كيف أن سنوات الفنان الأخيرة لم تكن فترة اضمحلال، بل على العكس، كانت فترة ازدهار إبداعي وتجريب مستمر. يستمر المعرض في جراند باليه بشكله الحالي حتى يوليو 2026، مقدماً للحضور فرصة فريدة لتأمل التحول العميق في رؤية أحد أعظم فناني القرن العشرين.

شاركها.