في أجواء روحانية غامرة، تصدح أصوات جيل جديد من المقرئين الواعدين في جوامع مصر الكبرى، وعلى رأسها مسجد الإمام الحسين وعمرو بن العاص والسيدة زينب والسيدة نفيسة، خلال شهر رمضان المبارك. هؤلاء المقرئون، الذين برزوا من خلال برنامج “دولة التلاوة”، يؤمون المصلين في صلوات المغرب والتراويح والفجر، مضفين على هذه الليالي المقدسة بعداً خاصاً من الخشوع والجمال.
أصوات “دولة التلاوة” تضفي روحانية خاصة على مساجد مصر الكبرى في رمضان
يشهد هذا العام، كما في الأعوام التي سبقته، إقبالاً جماهيرياً لافتاً على المساجد الكبرى في القاهرة والأقاليم، حيث يقدر عدد المصلين بالآلاف يومياً. تجمع هذه الظاهرة بين عبق التاريخ الذي تحمله هذه المساجد العريقة والتلاوات العذبة لمجموعة من المقرئين الشباب الذين اكتسبوا شهرتهم مؤخراً. يمثل هذا المشهد الروحاني تجسيداً حياً للتقاليد المصرية الراسخة في فن التلاوة، والتي أسهمت عبر عقود في تقديم قامات شامخة للقراءة القرآنية على مستوى العالم الإسلامي.
وقد برزت أسماء مثل محمد وفيق، محمود السيد، أبو بكر سيد، وخالد عطية، بالإضافة إلى الخمسة متأهلين للحلقة النهائية من برنامج “دولة التلاوة”. هؤلاء القراء الشباب يمثلون امتداداً طبيعياً لمدرسة التلاوة المصرية التي اشتهرت بعبقريات مثل مصطفى إسماعيل، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمد رفعت، ومحمد صديق المنشاوي، ومحمود علي البنا، ومحمود خليل الحصري، وغيرهم ممن تركوا بصمة لا تُمحى في تاريخ القراءة القرآنية.
إحياء أمجاد التلاوة المصرية
يُنظر إلى مشاركة نجوم “دولة التلاوة” في إمامة المصلين بالمساجد الكبرى كخطوة هامة نحو استعادة أمجاد فن التلاوة المصري الأصيل. ويرى الدكتور حازم مبروك عطية، الباحث بهيئة كبار العلماء بالأزهر، أن هذه المبادرة “رائعة وتجمع قلوب المصلين حول الأصوات العذبة، مستلهمةً من السيرة النبوية في اكتشاف أصحاب الأصوات الجميلة ومنحهم فرصة للتعبير عن مواهبهم”.
وأضاف عطية لـ”الشرق الأوسط” أن مسابقة “دولة التلاوة” أعادت إلى الأذهان العصر الذهبي لهذا الإبداع المصري الخالص، والذي يتميز بأسلوب فريد يختلف عن مثيلاته في العالمين العربي والإسلامي. ويُضرب المثل المأثور بأن “القرآن نزل في مكة، وفُسّر في العراق، وقُرئ في مصر”، مما يؤكد على المكانة الرفيعة للقرّاء المصريين في هذا المجال، وضرورة وجود جيل جديد يواصل مسيرة العمالقة.
تعاون ناجح يعزز الروحانية
يأتي برنامج “دولة التلاوة” في إطار تعاون مثمر بين وزارة الأوقاف المصرية والشركة المتحدة للخدمات الإعلامية. وقد حظي البرنامج بتفاعل جماهيري كبير، حيث تم بثه عبر قنوات “cbc”، “الحياة”، و”الناس”، وحقق نسبة مشاهدات تجاوزت الملياري مشاهدة عبر مختلف المنصات، وفقاً لتصريحات سابقة للدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم وزارة الأوقاف.
وأكد رسلان أن الوزارة مستمرة في إتاحة الفرصة لنجوم “دولة التلاوة” لقيادة الصلوات في المساجد الكبرى بمختلف محافظات الجمهورية طوال شهر رمضان، بهدف تعزيز الأجواء الروحانية ونشر المفاهيم الإيمانية. وتؤكد هذه الجهود على التزام الدولة بدعم وتعزيز الهوية الثقافية والدينية للبلاد.
دلالات الاهتمام بالقيمة وسط التفاعل الجماهيري
يشير الدكتور حازم مبروك عطية إلى أن التفاعل الجماهيري اللافت مع مسابقة “دولة التلاوة” يثبت أن الشعب المصري يميل بطبيعته إلى تقدير القيمة وأصحاب المواهب في مختلف المجالات. ويضيف أن هذا الإقبال غير المسبوق يعكس وعي الشعب المصري وقدرته على الالتفاف حول كل ما هو جميل وينتمي للمبادئ الصحيحة، دحضاً لأي تصورات قد تشير إلى اهتمام المصريين بالأمور السطحية والعابرة فقط.
وبينما تستمر ليالي رمضان في المساجد الكبرى، يترقب المصلون والمتابعون استمرار ظهور أجيال جديدة من المقرئين الموهوبين. ومن المتوقع أن تستمر وزارة الأوقاف في خططها لدعم هؤلاء الشباب، مما يضمن استمرارية إثراء الساحة القرآنية المصرية وتقديم أصوات تليق بعظمة كتاب الله.
