لا يقتصر سحر الأدب على الصفحات المطبوعة، بل يتجاوزها ليتحول إلى تجارب تفاعلية غامرة تجذب الزوار من مختلف الأعمار. وقد تجلى ذلك بوضوح في “مهرجان الكتاب والقراء” الذي يقام حاليًا في مدينة الطائف، حيث تنبض الأساطير العربية والقصص الخيالية بالحياة بطرق مبتكرة، مقدمةً محتوى ثقافيًا يناسب جميع أفراد العائلة. المهرجان، الذي انطلق في منتصف يناير 2026، يستمر في جذب الآلاف من الزوار حتى منتصف الشهر.

إعادة إحياء التراث العربي من خلال التكنولوجيا

يتميز المهرجان هذا العام بتركيزه على تقديم التراث العربي بطريقة عصرية وجذابة، مستخدمًا أحدث التقنيات لإنشاء تجارب تفاعلية تأسر الحواس. فبدلًا من مجرد قراءة القصص، يمكن للزوار الآن الدخول إلى عوالمها الخيالية والتفاعل مع شخصياتها.

من أبرز هذه التجارب شخصية “هيا”، وهي نسخة سعودية مستوحاة من شخصية “أليس في بلاد العجائب”. تستقبل “هيا” الزوار وتصحبهم في رحلة عبر عوالم الغول والسعلاة والعنقاء، مستخدمةً شاشات العرض وتقنيات الصوت المجسم لخلق جو من الإثارة والتشويق. تقول أمنية مجدي، إحدى الفتيات اللاتي يؤدين دور “هيا”: “نلاحظ شغفًا كبيرًا من الجمهور بالحكايات الخيالية عن هذه الكائنات الأسطورية”.

تفاعل الزوار مع الأساطير

لا يقتصر التفاعل على شخصية “هيا” فحسب، بل يمتد ليشمل عروضًا مسرحية مفتوحة تجمع بين شخصيات من الأدب العربي والعالمي. على سبيل المثال، يجمع عرض مسرحي بين شخصية “فلونا” المستوحاة من رواية روبنسون كروزو و”حي بن يقظان”، في حوار يلامس الصغار والكبار على حد سواء.

بالإضافة إلى ذلك، يقدم المهرجان تجارب تفاعلية مستوحاة من أعمال أدبية عربية معروفة، مثل رواية “ساق الغراب” للكاتب يحيى أمقاسم. يتم تحويل قرية “عصيدة” الخيالية من الرواية إلى عالم مرئي ومسموع باستخدام تقنيات الشاشات والمؤثرات الصوتية، مما يخلق تجربة معايشة فريدة للزوار.

“مهرجان الكتاب والقراء” يركز على تجربة القارئ

يُعزز اختيار “منتزه الردف” في الطائف، بمساحاته الخضراء الواسعة، من الطابع العام للمهرجان وفلسفته في تقريب الثقافة من الجمهور. يقول سلطان محمد المشهوري، الذي يصطحب الزوار في تجربة “ساق الغراب”: “يتساءل الزوار كيف تتحول الرواية إلى عالم يُعاش، فالتجربة تثير الدهشة سواء لمن قرأ الرواية أو لم يقرأها”.

ولم يغفل المهرجان أهمية التواصل المباشر بين الكتاب والقراء، حيث تم تخصيص مساحة تفاعلية تحمل اسم “شارك خبرتك” تتيح للزوار طرح أسئلتهم واستشاراتهم الأدبية على الكتاب بشكل مباشر. وتعلق الشاعرة حوراء الهميلي: “هذه الزاوية تمنح القارئ مساحة خصوصية وحميمية في حواره مع الكاتب، وهي تجربة مثرية للطرفين”.

كما يضم المهرجان فعاليات أخرى تستهدف مختلف الفئات العمرية، مثل تجربة تفاعلية مستوحاة من رواية “الأمير الصغير” التي تهدف إلى تحليل شخصية الزائر وتصنيفها بناءً على إجاباته على أسئلة مستوحاة من عالم الرواية.

ويرى الشاعر والروائي عمرو البطا أن تقديم الأعمال الأدبية بشكل جذاب وغير نخبوِي أمر ضروري لنجاح المهرجان. ويؤكد على أهمية التحرر من النمطية في تقديم الأدب.

من المتوقع أن يستمر “مهرجان الكتاب والقراء” في جذب المزيد من الزوار خلال الأيام القليلة القادمة. وستركز الجهات المنظمة على تقييم مدى نجاح التجارب التفاعلية المختلفة، والنظر في إمكانية تطويرها وتقديمها في الدورات القادمة. يبقى التحدي في الحفاظ على هذا المستوى من الإبداع والابتكار في تقديم المحتوى الثقافي، وتلبية تطلعات الجمهور المتزايدة.

شاركها.