لا يدرك الكثيرون أن ثمن السهر الباهظ يتجاوز مجرد الشعور بالنعاس في اليوم التالي. فقلة النوم المتكررة تشكل عبئًا صحيًا حقيقيًا، وترتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض جسيمة تتراوح من أمراض القلب إلى أنواع معينة من السرطان. وتشير الإحصاءات إلى أن حوالي ثلث البالغين حول العالم يعانون من عدم الحصول على قسط كافٍ من النوم، مما يستدعي فهم الأضرار التي تلحق بالجسم بسبب هذا الحرمان.

وفقًا لخبراء في طب النوم، فإن الآثار السلبية لنقص النوم متعددة الأوجه، وتؤثر على جهاز المناعة، والصحة القلبية الوعائية، والوظائف الإدراكية، بل وحتى على الوزن والمظهر الخارجي. إن فهم هذه التبعات الصحية يجعل من النوم ضرورة بيولوجية لا يمكن الاستهانة بها، بل هو استثمار أساسي في الصحة العامة على المدى الطويل.

تأثير قلة النوم على الصحة الجسدية والنفسية

يؤدي الحرمان من النوم إلى إضعاف قدرة جهاز المناعة على محاربة العدوى، مما يجعل الفرد أكثر عرضة للإصابة بالأمراض. وتربط الأبحاث بين النوم والجهاز المناعي بعلاقة تبادلية؛ فالنوم غير الكافي يضعف الدفاعات الطبيعية للجسم، مما قد يؤدي إلى المزيد من فقدان ساعات النوم أثناء محاولة الجسم مقاومة المرض، وهذا بدوره يفاقم الحلقة السلبية بين قلة النوم والتدهور الصحي.

وتشير دراسات حديثة إلى أن النوم لأقل من خمس ساعات في الليلة، أو الإفراط في النوم لأكثر من تسع ساعات، يمكن أن يرتبط بتأثيرات سلبية على صحة القلب. وتزداد احتمالية الإصابة بأمراض القلب التاجية أو السكتة الدماغية بشكل ملحوظ لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات النوم المزمنة.

وعلى صعيد الأمراض الخطيرة، ربطت الأكاديمية الأميركية لطب النوم بين قلة النوم وارتفاع معدلات الإصابة ببعض أنواع السرطان، بما في ذلك سرطان الثدي، وسرطان القولون والمستقيم، وسرطان البروستاتا. ويبدو أن العاملين في المناوبات الليلية هم الأكثر عرضة لهذا الخطر، حيث أظهرت البيانات تراجع خطر الوفاة بين من ينامون سبع ساعات أو أكثر يوميًا.

تراجع القدرات الإدراكية وزيادة خطر الحوادث

لا يقتصر تأثير قلة النوم على التعب الجسدي، بل يمتد ليشمل تراجعًا ملحوظًا في القدرة على التفكير بوضوح. فقد أثبتت دراسات أجريت على طلاب المدارس الثانوية المتفوقين أن أسبوعًا واحدًا من قلة النوم يمكن أن يؤدي إلى ضعف في الوظائف الإدراكية، وانخفاض في اليقظة، وتغيرات مزاجية سلبية. وما يثير القلق هو أن هذه التأثيرات قد تستمر حتى بعد الحصول على بعض ليالي النوم التعويضي.

وتلعب ساعات النوم دورًا حاسمًا في عمليتي التعلم والذاكرة. فالنوم ضروري لترسيخ المعلومات الجديدة في الدماغ وتحويلها إلى ذاكرة مستقرة. وبدون الراحة الكافية، يصبح من الصعب على الجسم تثبيت ما تعلمناه، مما يؤدي إلى زيادة احتمالية النسيان والشعور بالتشتت.

بالإضافة إلى ذلك، تزيد قلة النوم بشكل كبير من خطر التعرض للحوادث. وتشير بيانات المؤسسة الوطنية للنوم الأميركية إلى أن خطر التعرض لحادث سيارة يتضاعف ثلاث مرات لدى الأشخاص الذين ينامون ست ساعات أو أقل كل ليلة. والفئات الأكثر عرضة للخطر تشمل العاملين بنظام المناوبات، وسائقي الشاحنات، وكل من تتطلب طبيعة عملهم ساعات طويلة أو غير منتظمة.

تأثير النوم على الوزن والبشرة

لكثرة النوم تأثير مباشر على الوزن، حيث ترتبط قلة النوم بزيادة الوزن. وقد أظهرت دراسة كبرى أن الأشخاص الذين ينامون أقل من خمس ساعات يوميًا كانوا أكثر عرضة للإصابة بالسمنة، بينما تمتع من ينامون بين سبع وثماني ساعات باستقرار أفضل في أوزانهم.

كما أن اضطرابات النوم، سواء كانت بالإفراط أو النقص، تزيد من خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني. خلص تحليل لعشر دراسات منفصلة إلى أن النوم لمدة سبع إلى ثماني ساعات يعد النطاق الأمثل لدعم توازن الأنسولين وتقليل احتمالية تطور مشكلات قد تؤدي إلى مرض السكري.

وبعيدًا عن الصحة الداخلية، يؤثر قلة النوم سلبًا على مظهر البشرة. فقد أظهرت دراسة أجريت على أشخاص في منتصف العمر أن الحرمان من النوم يرتبط بزيادة الخطوط الدقيقة والتجاعيد، وعدم توحد لون البشرة، وترهل ملحوظ في الجلد. كما يعبر الأشخاص الذين يعانون من نقص النوم عن رضا أقل عن مظهرهم مقارنة بمن يحصلون على قسط كافٍ من الراحة.

في الختام، لا يمكن اعتبار النوم رفاهية يمكن الاستغناء عنها. بل هو ضرورة بيولوجية أساسية للحفاظ على الصحة الجسدية والعقلية. إن الحصول على عدد كافٍ من ساعات النوم يوميًا ليس مجرد وسيلة للشعور بالنشاط، بل هو استثمار مباشر وفعال في الصحة العامة على المدى الطويل، ووقاية أساسية ضد العديد من الأمراض المزمنة.

شاركها.