يُعد الكرياتين، المعروف تقليديًا كأداة لتعزيز الأداء الرياضي، موضوعًا متزايد الاهتمام في مجالات الصحة الأوسع. تشير الأبحاث العلمية الحديثة إلى أن هذا المركب، المتوفر طبيعيًا في الجسم وكأحد أشهر المكملات الغذائية، قد يقدم فوائد صحية تتجاوز بكثير قدراته على تحسين القوة العضلية والقدرة على التحمل لدى الرياضيين، مما يفتح آفاقًا جديدة لاستخدامه في دعم الصحة العامة.
كشف تقرير حديث لموقع «فيريويل هيلث» استنادًا إلى دراسات علمية، عن سبع فوائد صحية محتملة للكرياتين لم تكن معروفة على نطاق واسع، مع تحليل لمخاطره المحتملة وإرشادات الاستخدام الآمن، مؤكدًا على أهمية استشارة المختصين قبل البدء بتناوله.
فوائد الكرياتين الصحية: ما وراء الأداء الرياضي
تشير تجارب سريرية متعددة إلى دور محتمل للكرياتين في تعزيز الوظائف المعرفية. فقد لوحظ أنه قد يساهم في تخفيف الإرهاق الذهني، خاصة أثناء أداء المهام التي تتطلب تركيزًا متواصلاً كالحسابات المتكررة. كما تدعم بعض الدراسات قدرته على تحسين الذاكرة العاملة، وتسريع معالجة المعلومات، وتعزيز سرعة رد الفعل، وتحسين المزاج والتوازن لدى الأفراد الذين يعانون من الحرمان من النوم. بالنسبة لكبار السن، قد يلعب الكرياتين دورًا في تحسين الذاكرة المكانية والذاكرة طويلة الأمد، رغم أن بعض الأبحاث لم تجد تأثيرات واضحة، مما يستدعي المزيد من الدراسات الدقيقة لتأكيد هذه الارتباطات.
في مجال الصحة النفسية، ترتبط البيانات المتاحة بانخفاض مستويات الكرياتين مع ارتفاع معدلات الإصابة بالاكتئاب. وقد أشارت بعض الدراسات الأولية إلى أن مكملات الكرياتين قد تساعد في تخفيف أعراض الاكتئاب، خاصة عند تناولها بالتزامن مع مكونات غذائية أخرى. ورغم أن هذه النتائج تبدو واعدة، إلا أن خبراء الصحة يؤكدون على ضرورة إجراء دراسات عالية الجودة قبل اعتبار الكرياتين بديلاً للعلاجات النفسية المعتمدة، مشددين على عدم استبدال الأساليب العلاجية التقليدية دون استشارة طبية.
يُظهر الكرياتين إمكانات واعدة في مساعدة المصابين بالحثل العضلي، وهو مرض وراثي يؤدي إلى ضعف تدريجي في العضلات. تشير مراجعات علمية إلى أن الاستخدام قصير إلى متوسط الأمد للكرياتين قد يحسن قوة العضلات ووظائفها لدى هؤلاء المرضى. ومع ذلك، تظل فعالية الجرعات العالية على المدى الطويل قيد البحث ولم يتم تأكيدها بشكل قاطع.
مع التقدم في العمر، يفقد الجسم بشكل طبيعي جزءًا من كتلته العضلية وقوته، وقد تتطور هذه الحالة إلى ما يُعرف بالساركوبينيا، وهو فقدان الكتلة العضلية المرتبط بالشيخوخة. يمكن أن تتفاقم هذه الحالة نتيجة للحميات الغذائية القاسية أو استخدام بعض أدوية إنقاص الوزن، مما يزيد من خطر سوء التغذية، التعب، ومشاكل التوازن وهشاشة العظام. تقدم مراجعات علمية أدلة على أن الكرياتين، خاصة عند دمجه مع تمارين المقاومة، قد يساهم في الحفاظ على الكتلة العضلية، تعزيز القوة، وحتى دعم كثافة العظام لدى كبار السن، لكن لا يزال هناك حاجة إلى مزيد من البحث في هذا المجال.
يُعد الكرياتين مفيدًا في علاج اضطرابات نادرة تتعلق بنقص الكرياتين الوراثي. تتميز هذه الاضطرابات بانخفاض مستويات الكرياتين في الجسم أو بخلل في نقله إلى الأنسجة، وخاصة الدماغ، مما يؤدي إلى تأخر النمو، ضعف العضلات، نوبات صرع، ومشاكل في التناسق الحركي. وقد أظهرت تجارب سريرية أن تناول جرعات عالية من الكرياتين يمكن أن يرفع مستوياته في الدماغ ويخفف من بعض الأعراض المرتبطة بالنمو.
تشير بعض الدراسات الأولية إلى أن الكرياتين قد يلعب دورًا في تنظيم مستويات السكر في الدم. تشير هذه الأبحاث إلى أن الكرياتين يمكن أن يحسن حساسية الإنسولين وامتصاص الغلوكوز، مما قد يساعد في خفض مستويات السكر في الدم، لا سيما عند البدء ببرنامج رياضي. ومع ذلك، لا تزال الأدلة محدودة وتتطلب إجراء المزيد من الدراسات السريرية لتأكيد هذه الفوائد.
في سياق صحة البشرة، تفيد بعض الأبحاث بأن التطبيقات الموضعية للكرياتين قد تساعد في تقليل الأضرار الناجمة عن التعرض لأشعة الشمس وتقليل ظهور التجاعيد. لا تزال هذه النتائج في مراحلها البحثية المبكرة وتتطلب المزيد من التحقق.
إرشادات تناول الكرياتين بأمان
تتراوح الاحتياجات اليومية الموصى بها من الكرياتين عادة بين 2 و4 غرامات، وتختلف هذه الجرعة اعتمادًا على الكتلة العضلية ومستوى النشاط البدني، بالإضافة إلى الكمية التي ينتجها الجسم بشكل طبيعي. تشير الدراسات إلى أن الكرياتين يعتبر آمنًا نسبيًا لمختلف الفئات العمرية عند تناوله لمدد تصل إلى خمس سنوات، ضمن نطاقات جرعات محددة تتناسب مع وزن الجسم.
على الرغم من فوائده المحتملة، قد تظهر بعض الآثار الجانبية مثل التشنجات العضلية، الإسهال، الغثيان، احتباس السوائل، واضطرابات المعدة، بالإضافة إلى زيادة طفيفة في الوزن. كما وردت تقارير عن مشكلات نادرة تتعلق بالكلى أو الكبد، وخطر متلازمة الحيز العضلي.
يؤكد المختصون على أهمية استشارة مقدم الرعاية الصحية قبل البدء بتناول الكرياتين، خاصة للأفراد الذين يعانون من أمراض مزمنة أو يتناولون أدوية معينة. كما يجب الانتباه إلى أن تنظيم المكملات الغذائية يختلف من دولة لأخرى، مما يستدعي اختيار منتجات موثوقة واستشارة الخبراء.
في الختام، تتكشف فوائد الكرياتين المحتملة تدريجيًا، مما يشير إلى أنه قد يكون أكثر من مجرد مكمل رياضي. ومع ذلك، يبقى البحث مستمرًا لتأكيد هذه الفوائد وفهم آلياتها بشكل أعمق، مع التأكيد على ضرورة اتباع إرشادات السلامة واستشارة المتخصصين قبل استخدامه.
