تشغل قضية تأثير شاشات الهواتف المحمولة على التحصيل الدراسي للطلاب اهتماماً متزايداً على مستوى العالم، مع تزايد مخاوف الآباء والمعلمين والباحثين حول الاستخدام المفرط لهذه الأجهزة. فبينما تُعد الهواتف الذكية أدوات ضرورية للتواصل والوصول إلى المعلومات، إلا أن الاستخدام المتواصل، خاصة من قبل المراهقين، قد يرتبط بتحديات سلوكية وأكاديمية.
وقد أصبحت كبرى شركات التكنولوجيا تواجه اتهامات وضغوطات قانونية وتنظيمية في دول مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث تُقارن مخاطر منصات التواصل الاجتماعي بالتدخين، وتُناقش الحكومات حول العالم سبل التعامل مع هذه الظاهرة. ورغم الإدراك الشائع لمخاطر وسائل التواصل الاجتماعي مثل قلة النوم، وانعدام الثقة بالنفس، والتنمر الإلكتروني، إلا أن الأبحاث العلمية تسعى لتحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر، ومدى الحاجة لتدخلات حكومية واسعة النطاق.
تأثير إدمان الهواتف على التحصيل الدراسي
تُظهر الدراسات أن المراهقين يقضون ساعات طويلة أمام شاشات هواتفهم، تتراوح غالباً بين ساعتين ونصف وأربع ساعات يومياً. هذا الاستخدام المكثف يعني بالضرورة تحويل الوقت عن أنشطة أخرى ضرورية للنمو والتطور، مثل ممارسة الرياضة، تعلم مهارات جديدة، أو قضاء وقت نوعي مع العائلة والأصدقاء. وفي سياق التحصيل الدراسي، يعني هذا وقتاً أقل للدراسة وحل الواجبات.
وقد كشفت دراسة أجرتها جمعية البحوث التعليمية الألمانية أن حوالي 30% من المراهقين يشعرون بالإرهاق صباحاً بسبب الاستخدام الممتد للهواتف ليلاً، مما يؤثر مباشرة على قدرتهم على التركيز والانتباه في المدرسة. وتؤكد دراسات أخرى أن زيادة استخدام الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، خاصة عندما يتخذ طابعاً إشكالياً يشبه الإدمان، يرتبط بانخفاض الصحة النفسية، وزيادة اضطرابات النوم، وارتفاع معدلات الاكتئاب، واضطرابات الأكل، وحتى إيذاء النفس.
الفئات الأكثر عرضة للخطر
يشير الخبراء إلى أن التأثيرات السلبية لاستخدام الهواتف لا تطال الجميع بنفس الدرجة. فالأطفال والمراهقون الذين يعانون أصلاً من مشكلات أو أعباء نفسية، مثل القلق أو الاكتئاب، هم الأكثر عرضة لتفاقم هذه المشكلات بفعل وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الاستخدام قد يعمل على تضخيم المشاعر السلبية الموجودة لديهم.
وتُعتبر الفتيات من الفئات المعرضة بشكل خاص، نظراً للدور الكبير للمقارنات الاجتماعية في بيئة وسائل التواصل. فمن تعاني من عدم الرضا عن صورتها الذاتية قد تجد هذه المنصات تزيد من شعورها بالتعاسة بسبب المقارنة المستمرة مع الآخرين. كما أبدى الباحثون قلقهم إزاء ميل الفتيات المراهقات للإدمان، حيث غالباً ما لا يظهرن في مراكز الاستشارة أو العلاج، على عكس الذكور الذين غالباً ما يُجبرون على الحضور من قبل آبائهم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ضحايا التنمر الإلكتروني هم فئة أخرى معرضة للخطر. فالتنمر على وسائل التواصل الاجتماعي له تأثير أشد وطأة لأنه لا يقتصر على فترة زمنية أو مكان محدد، بل يصبح واقعاً مستمراً على مدار الساعة، مما يضاعف من الضغط النفسي على الضحية.
متى يصبح استخدام الهواتف مشكلة؟
يصعب تحديد عدد ساعات معين يعتبر مفرطاً بشكل قاطع، فالأمر لا يتعلق بالوقت بحد ذاته بقدر ما يتعلق بطبيعة الاستخدام. فإذا كان الاستخدام سلبياً، ويقتصر على التصفح المستمر دون هدف، فإنه يكون أكثر ضرراً. على سبيل المثال، قد يعمل شخص ما لثماني ساعات على وسائل التواصل الاجتماعي دون أن يتأثر سلباً، إذا كان هذا الاستخدام مرتبطاً بعمله.
في المقابل، قد يواجه شخص آخر مشكلة حتى لو استخدم الهاتف لمدة ثلاث ساعات فقط، إذا كان يشعر خلال تلك الفترة بأنه يفضل القيام بشيء آخر، مما يجعل هذه الساعات مصدر إزعاج وشعور بعدم الرضا. وتشير دراسة أجريت في ألمانيا عام 2025 إلى أن حوالي ربع المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و17 عاماً يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة “إشكالية”، بينما يعتبر ما يقرب من 5% منهم مدمنين. ورغم انخفاض طفيف لهذه النسب مقارنة بالعام السابق، إلا أنها تظل أعلى من مستوياتها ما قبل الجائحة.
آراء المراهقين حول استخدامهم للهواتف
تُظهر الدراسات التي تستطلع آراء الشباب أن الكثيرين منهم يدركون طبيعة استخدامهم للهواتف. ففي دراسة “جيه آي إم” السنوية، وافقت غالبية المشاركين (68%) على أنهم غالباً ما يقضون على هواتفهم وقتاً أطول مما خططوا له. كما أشار نسبة مماثلة إلى أنهم يستمتعون بقضاء الوقت دون الحاجة للهاتف أو الإنترنت.
وتؤكد الأبحاث أن بعض المراهقين قادرون على تقييم استخدامهم ووضع حدود بوعي، إلا أن هذا يتطلب مستوى عالٍ من التأمل الذاتي وضبط النفس، وهو ما لا يمتلكه الكثيرون منهم. الجدير بالذكر أن هناك آثاراً إيجابية لاستخدام الهواتف، منها قدرة المراهقين على استكشاف هويات مختلفة، وإيجاد أشخاص يشاركونهم الاهتمامات، ومناقشة مواضيع قد تكون حرجة.
على الرغم من المخاوف، يؤكد الخبراء أن الغالبية العظمى من المراهقين لا يظهرون سلوكاً إشكالياً ذا أهمية سريرية. وتظل التأثيرات السلبية تركز على فئة أقلية، وهو ما يتوافق مع نسبة الأفراد الذين يعانون من أنواع أخرى من السلوكيات الإشكالية.
التوقعات المستقبلية والخطوات القادمة
بينما تستمر الأبحاث في فك تشابك العلاقة المعقدة بين استخدام الهواتف الذكية والتحصيل الدراسي والصحة النفسية، تتجه الأنظار نحو الخطوات التنظيمية والتشريعية التي قد تتخذها الحكومات. تواجه شركات التكنولوجيا ضغوطاً متزايدة لزيادة الشفافية وتقديم أدوات حماية أفضل للمستخدمين الأصغر سناً. ومن المتوقع أن تشهد السنوات القادمة مزيداً من الدراسات التي تركز على الآليات الدقيقة للتأثير، وتحديد التدخلات الأكثر فعالية للفئات الضعيفة. وسيستمر النقاش حول دور المدارس والأسرة في توعية المراهقين بأهمية الاستخدام المتوازن للتكنولوجيا.
