يثبت الذكاء الاصطناعي قدرات تتجاوز مجرد معالجة البيانات، لتصل إلى براعة مخيفة في طرح التنبؤات. فما كان في الماضي حكراً على حكمة المنجمين والخبراء، أصبح اليوم مجالاً تتنافح فيه أحدث التقنيات، معلنةً عن مرحلة جديدة في فهمنا للمستقبل.

في عالم يتزايد تعقيده، أصبح التنبؤ بالمستقبل ضرورة وليس مجرد فضول. فقد تطورت أدوات التنبؤ من الاستعانة بالمنجمين في العصور القديمة إلى تطوير نماذج كمية متطورة تعتمد عليها الحكومات والشركات الكبرى لاتخاذ قرارات استراتيجية. وتتنوع هذه التنبؤات لتشمل توقعات الأسواق المالية، وتقدير مخاطر الكوارث الطبيعية، وصولاً إلى محاولة استشراف حالة الطقس على المدى الطويل.

سباقات التنبؤ: منصة لاختبار البراعة

تُعد مسابقات التنبؤ ساحةً تنافسيةً تجمع نخبةً من الخبراء لمواجهة تحديات تتعلق بأحداث مستقبلية. هذه المسابقات لا تقتصر على قياس التخصص الدقيق، بل تهدف إلى تقييم القدرة العامة على التنبؤ عبر مجموعة واسعة من المواضيع. قد يُطرح على المتسابقين سؤال حول احتمالية وقوع انقلاب في بلد مضطرب، أو تقدير معدل إزالة الغابات في منطقة الأمازون. يكافئ النجاح في هذه المسابقات، إلى جانب الجوائز النقدية، الاعتراف والتقدير من قبل أبرز المتنبئين على مستوى العالم.

وقد شهدت أسواق التنبؤ، مثل بولي ماركت وكالشي، طفرة ملحوظة في شعبيتها، حيث يشارك ملايين الأشخاص في التداول حول أسئلة تنبؤية. وفي الآونة الأخيرة، بدأت برامج الذكاء الاصطناعي في الانخراط في هذه المنافسات. على الرغم من أن بدايات أداء هذه البرامج لم تكن مبهرة، حيث لم تتمكن أي منها من احتلال مراكز متقدمة في نهاية عام 2024، إلا أنها سرعان ما قفزت لتتصدر قوائم المتصدرين.

لقد أظهرت أنظمة الذكاء الاصطناعي منذ سنوات قدرتها على توفير تنبؤات فائقة الدقة في سياقات محددة. ومع هذا التطور السريع، بات من المتوقع أن تتفوق هذه الأنظمة قريباً على القدرات البشرية في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي المنافسة

تستضيف منصة «ميتاكولوس» Metaculus، وهي منصة تنبؤات معروفة، بطولات ثلاث مرات سنوياً تتسم بصعوبة أسئلتها. وتجذب هذه البطولات عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، شاركت شركة «مانتيك» Mantic، وهي شركة ناشئة مقرها لندن، بمحرك تنبؤات يعتمد على الذكاء الاصطناعي في بطولة «كأس الصيف». تضمن الاختبار إجابة البرنامج على 60 سؤالاً تتراوح بين توقعات جغرافية سياسية، ونتائج رياضية، وإيرادات أفلام، وتوقعات بشأن سلاسل التوريد، وظواهر جوية.

بعد فترة من التقييم، تمت مقارنة توقعات محرك «مانتيك» مع نتائج الأحداث الفعلية. أظهرت النتائج أن الذكاء الاصطناعي احتل المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو إنجاز غير مسبوق للبرامج الآلية في هذا السياق. وقد وصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة «مانتيك»، هذا النجاح بأنه «اختراق غير متوقع».

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أطلقت «مانتيك» نسخة محسنة من برنامجها الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي». وحقق هذا الإصدار أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ بالمركز الرابع، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. وهذا يعني أن المحرك أثبت براعة تفوق الحكمة الجماعية لمجموعة كبيرة من الخبراء البشريين.

تصميم «متعدد النماذج»

يعتمد محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» على تجميع وتنسيق عمل مجموعة من نماذج اللغة الكبيرة (LLMs). يتم تخصيص مهام محددة لكل نموذج، فقد يُعهد إلى أحدها بتحليل بيانات نتائج الانتخابات، بينما يُكلف آخر بتحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك حسب طبيعة السؤال المطروح. تعمل هذه النماذج كوحدة واحدة متكاملة للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات للتقييم المستمر

أطلق فريق بحثي بقيادة هايفنغ شو، أستاذ بجامعة شيكاغو، خدمة تقييم مستمرة لتنبؤات الذكاء الاصطناعي. تقوم هذه الخدمة بطرح أسئلة جديدة بشكل شبه يومي على نماذج روبوتات الدردشة الرئيسية، وتستقي هذه الأسئلة من أسواق المراهنات القائمة. يتم تحديث درجات دقة هذه النماذج باستمرار بناءً على النتائج الفعلية.

يشير شو إلى أن كل نموذج يتمتع بأسلوبه الخاص في التنبؤ. على سبيل المثال، يبدو أن نسخة ChatGPT التي تقيمها الخدمة تميل إلى التحفظ، وربما أكثر من اللازم، حيث تتخلف حالياً عن نماذج مثل Grok و Gemini في قائمة الأداء. وتُجرى تجارب أخرى، مثل تلك التي تجريها شركة «لايتنينغ رود»، لتصميم نماذج تنبؤية متخصصة لمجالات محددة، مثل التنبؤ بسلوك شخصيات سياسية محددة.

تنبؤات العام الجديد وآفاق المستقبل

يُتوقع أن يكون العام الحالي حاسماً في مسار تطور الذكاء الاصطناعي في مجال التنبؤ. شاركت «مانتيك» أحدث محركاتها في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026، والتي تتضمن أسئلة حول توزيع جوائز الأوسكار واحتمالية وقوع هجمات عسكرية. بحلول مايو المقبل، ستتضح نتائج هذه الأسئلة، مما سيوفر مؤشراً إضافياً على أداء الذكاء الاصطناعي.

إذا استمر المحرك في التقدم، فقد يصبح أول ذكاء اصطناعي يحصل على ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وقد أظهر خبراء التنبؤ البشريون تقبلاً لهذا الاحتمال، مشيدين بقدرات الذكاء الاصطناعي على الاستدلال، وغياب التحيزات البشرية، والقدرة على معالجة الأخبار فور حدوثها. وقد قام فريق من الخبراء على منصة ميتاكولوس بتقدير احتمالية تفوق الذكاء الاصطناعي على الفرق البشرية المتميزة في التنبؤ، حيث ارتفعت هذه النسبة من 75% في يناير الماضي إلى ما يقرب من 95% حالياً.

يُشير هذا التقدم إلى أننا نقف على أعتاب مرحلة جديدة، حيث قد يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لا غنى عنها في فهم وتوقع المستقبل، مما يفتح آفاقاً جديدة للتخطيط واتخاذ القرار في مختلف مجالات الحياة.

شاركها.