فحوصات الدم: نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب
تُعتبر فحوصات الدم نهجاً استباقياً وفعالاً للحفاظ على صحة القلب، حيث تكشف عن مؤشرات حيوية تساعد في تشخيص المشكلات القلبية الكامنة أو التنبؤ باحتمالات خطر الإصابة بأمراض القلب. إن فهم نتائج هذه الفحوصات بالتعاون مع الطبيب يُمكّن الأفراد من اتخاذ الخطوات المناسبة للحفاظ على صحة قلوبهم.
ما هي فحوصات الدم الهامة لصحة القلب؟
تُعدّ فحوصات الدم أدوات تشخيصية أساسية للكشف المبكر عن أمراض القلب، وتقدم نظرة ثاقبة حول حالة الأوعية الدموية وعضلة القلب. ومن أهم هذه الفحوصات:
1. التروبونين: كاشف دقيق لتلف عضلة القلب
يُعدّ اختبار التروبونين من أكثر الاختبارات شيوعاً لتشخيص الإصابة بنوبة قلبية، فهو مادة تُفرزها أنسجة القلب عند تعرضها للتلف. ترتفع مستويات التروبونين بشكل حاد خلال 3-4 ساعات من الإصابة، وتبلغ ذروتها بعد 12-48 ساعة، وقد تستمر مرتفعة لمدة تصل إلى أسبوع إلى أسبوعين. يستخدم هذا الفحص بشكل أساسي في أقسام الطوارئ لتحديد سبب آلام الصدر، مثل احتشاء عضلة القلب (النوبة القلبية)، والذبحة الصدرية غير المستقرة، والتهاب عضلة القلب.
ويمكن لارتفاع التروبونين أن يشير إلى تلف في أنسجة عضلة القلب. ومع ذلك، فإن الارتفاع المتوسط قد ينتج عن عوامل أخرى غير نوبة قلبية، مثل انسداد الأوعية الدموية الرئوية، أو أمراض الكلى المزمنة، أو تسمم الدم، أو حتى ممارسة التمارين الرياضية الشاقة. لذا، يتطلب ارتفاع التروبونين تقييماً إضافياً لشرايين القلب لتحديد السبب الجذري.
2. تحليل دي-دايمر: استبعاد اضطرابات التخثر الخطيرة
يُستخدم تحليل دي-دايمر لاستبعاد وجود جلطات دموية خطيرة. هذا البروتين هو شظية تتكون عند تحلل الجلطات الدموية. قد ترتفع مستوياته في الدم في حالات وجود جلطات كبيرة داخل الأوعية الدموية، مثل تخثر الأوردة العميقة في الساقين، والذي يمكن أن ينتقل إلى الرئتين مسبباً جلطة رئوية.
يطلب الأطباء هذا التحليل عند الاشتباه بجلطة وريدية عميقة (تورم وألم في الساق) أو جلطة رئوية (ضيق في التنفس، ألم في الصدر، سرعة نبض القلب). إذا كانت النتيجة منخفضة أو طبيعية، فهذا يعني أن احتمالية وجود اضطراب تخثر غير مرجحة. أما النتيجة المرتفعة فتستدعي مزيداً من الفحوصات لتحديد وجود الجلطة وموقعها وسببها.
من المهم ملاحظة أن ارتفاع دي-دايمر قد يحدث لأسباب أخرى غير الجلطات، مثل التقدم في العمر، الحمل، العدوى، أمراض الكبد، ارتفاع الكوليسترول، أو تناول بعض الأدوية.
3. الكوليسترول والدهون الثلاثية: مؤشرات أساسية لخطر القلب
توصي الإرشادات الطبية بإجراء تحليل الكوليسترول بدءاً من سن 20-35 عاماً، اعتماداً على عوامل الخطر الفردية. يجب تكرار الفحص كل 5 سنوات للرجال ذوي المستويات الطبيعية، وبشكل متكرر عند حدوث تغييرات في نمط الحياة، أو عند وجود حالات مرضية مثل السكري، ارتفاع ضغط الدم، أمراض القلب، أو عند تناول أدوية لخفض الكوليسترول.
يقدم تحليل الكوليسترول نتائج لأربعة عناصر رئيسية:
- الكوليسترول الجيد (HDL): كلما ارتفع، انخفضت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.
- الكوليسترول الضار (LDL): كلما ارتفع، زادت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.
- الدهون الثلاثية (TG): ارتفاعها مع انخفاض HDL أو ارتفاع LDL يزيد من احتمالات تراكم الدهون في جدران الشرايين.
- الكوليسترول الكلي (TC): هو المحصلة الإجمالية للعناصر الثلاثة السابقة.
يُجرى تحليل الكوليسترول لعامة الناس غالباً دون الحاجة للصوم. أما في حالات متابعة مرضى الشرايين القلبية، أو متلازمة التمثيل الغذائي، أو السكري، أو اضطرابات الكوليسترول، فيجب إجراء التحليل بعد الصيام لمدة 9-12 ساعة.
4. الببتيد الدماغي المدر للصوديوم (BNP): تقييم وظيفة القلب
يُعدّ هذا البروتين، الذي ينتجه القلب والأوعية الدموية، مؤشراً هاماً على حالة القلب، وخاصة وظيفة الضخ. يساعد BNP الجسم على التخلص من السوائل الزائدة وتخفيف الضغط على الأوعية الدموية. في حالات ضعف عضلة القلب (فشل القلب)، يزداد إفراز BNP في الدم في محاولة لتخفيف العبء على القلب.
يُستخدم اختبار BNP بشكل فعّال في تحديد ما إذا كانت ضيق التنفس ناجماً عن فشل القلب. تختلف مستوياته حسب العمر والجنس والوزن. بالنسبة للمصابين بفشل القلب، يمكن أن يساعد تحديد قيمة أساسية لـ BNP في متابعة فعالية العلاج أو اكتشاف الانتكاس.
5. البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية (hs-CRP): مؤشر للالتهاب
يُفرز هذا البروتين بواسطة الكبد استجابةً للالتهاب في الجسم. يلعب الالتهاب دوراً محورياً في تطور تصلب الشرايين، وهو حالة تسبب تراكم اللويحات الدهنية في الشرايين القلبية. يساعد اختبار hs-CRP في تقدير خطر الإصابة بأمراض القلب حتى قبل ظهور الأعراض الواضحة.
يرتبط ارتفاع مستويات hs-CRP بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية. قد تتأثر نتائج الاختبار بعوامل مؤقتة مثل الإصابة بنزلة برد، ولذلك ينصح بإجراء الاختبار مرتين على الأقل بفارق أسبوعين. يعتبر مستوى hs-CRP الأعلى من 2.0 ملغ/لتر مؤشراً على زيادة خطر أمراض القلب.
6. تحاليل أخرى داعمة
في بعض الحالات، قد تطلب فحوصات إضافية لدعم التشخيص. قد يشمل ذلك تحاليل وظائف الغدة الدرقية (TSH) عند الشكوى من خفقان أو تجمع سوائل حول القلب، وتحليل تراكم السكر في الهيموغلوبين (HbA1c) لمرضى السكري، وقياس مستويات السيراميد (Homocysteine) التي قد ترتبط بتصلب الشرايين.
كما يتابع أطباء القلب وظائف الكلى، خاصة عند وصف مدرات البول. وللمرضى الذين يتناولون مضادات التخثر مثل الوارفارين، يتم مراقبة نسبة التخثر الدولية (INR). بالإضافة إلى ذلك، يمكن لتحليل الدم الشامل (CBC) الكشف عن فقر الدم، بينما قد تشير المستويات المنخفضة لفيتامين D إلى مخاطر متنوعة على صحة القلب.
في الختام، تُعدّ فحوصات الدم أدوات لا غنى عنها في استراتيجية الرعاية الصحية الوقائية للقلب، حيث توفر رؤى قيمة تسمح بتدخل مبكر وفعال. تشير النتائج الأخيرة إلى أن الجهود مستمرة لتطوير المزيد من الاختبارات الدقيقة التي يمكن أن تزيد من دقة التنبؤ بمخاطر أمراض القلب.
