في اكتشاف علمي قد يغير فهمنا لطبيعة الأمراض السرطانية، كشفت دراسة حديثة أن الأورام الخبيثة قد تتجاوز مجرد النمو غير المنضبط داخل الجسم، لتستخدم الجهاز العصبي سلاحاً فعالاً لضمان بقائها وانتشارها. فقد تبين أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة والتحكم بها، محولة إياها إلى قنوات لإرسال إشارات إلى الدماغ تكبح الاستجابة المناعية في موقع الورم، مما يمنحه بيئة مثالية للنمو دون قيود.

وقد توصلت الدراسة، التي نُشرت في مجلة “Nature” في الرابع من فبراير 2026، إلى أن هذه الأعصاب، بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية، ترسل إشارات إلى الدماغ. يرد الدماغ بدوره بإطلاق مواد كيميائية معينة تعمل على تثبيط نشاط الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة الأورام، مانحاً بذلك الورم الفرصة للتكاثر والانتشار.

الأعصاب: حليف غير متوقع للأورام الخبيثة

ركزت الدراسة، التي أجريت على فئران مصابة بسرطان الرئة، على آلية معقدة لم تكن مفهومة بالكامل سابقاً. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ، من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة، والتي لم تشارك في الدراسة، أن الورم بهذا الاكتشاف يتضح أنه يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه ونموه.

وأظهرت النتائج أن البحث عن طرق لتعطيل هذه الأعصاب يقود إلى نتائج واعدة. فعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية، لوحظ انخفاض ملحوظ في نمو الأورام. وبحسب تشنغ تشن جين، عالمة مناعة السرطان والباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، فقد انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات. هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام، لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً، فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة بالغة التعقيد.

تعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها، فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان، ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداً عن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً صعباً للغاية. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك، ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان، قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض. اكتشاف دور الأعصاب في تمكين الأورام من تعطيل الدفاع المناعي هو تطور كبير.

اكتشاف يقود إلى التقدم في فهم الأورام

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، مما حفزهم على التجريب. وقد جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي، عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا والباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ، عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضاً في الدراسة، لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم. هذا المسار العصبي هو مسار رئيسي يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء، بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه.

واكتشف الباحثون أن الأورام، عند استغلال هذا المسار، تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين. هذا الإفراز يعمل على تثبيط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان، والمعروفة باسم البلعميات.

في البداية، توقع الباحثون أن الأعصاب ستعمل كنظام تحذير وتنبيه للدماغ لوجود الورم، مما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ: “كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير، لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً”.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو، عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية وغير مشارك بالدراسة، أن “المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة الالتهابات والأنسجة، ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم”.

وتعزز هذه الدراسة الأدلة المتزايدة التي تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام، بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم، ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

بدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية، قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل، بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى، لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان، وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.

شاركها.