يشكل الصيام خلال شهر رمضان تحديات وفرصًا صحية لمرضى التهاب المسالك البولية، حيث تظهر الأبحاث الحديثة تأثيرًا مزدوجًا يعتمد على الحالة الصحية الفردية، وكمية السوائل المتناولة، ومدى الالتزام بالإرشادات الوقائية. ففي حين أن قلة شرب الماء قد تزيد من خطر الإصابة، تشير دراسات أخرى إلى إمكانية تعزيز المناعة وتقليل الالتهابات المزمنة من خلال الصيام.
وفقًا لتقارير طبية حديثة، يزداد خطر الإصابة بحصوات المسالك البولية لدى الصائمين في رمضان بمقدار الضعف، خاصةً إذا تزامن الشهر مع فصل الصيف. ومع ذلك، لم تظهر الدراسات فروقًا ذات دلالة إحصائية في معدلات الإصابة بحصوات المسالك البولية بين شهر رمضان وبقية أشهر السنة.
تأثير الجفاف على خطر الإصابة بالتهاب المسالك البولية
أظهرت مراجعة منهجية حديثة نشرت في مجلة “JAMA Network Open” في نوفمبر 2024، وتحليلها لـ 18 تجربة سريرية عشوائية، وجود علاقة وثيقة بين زيادة استهلاك الماء وانخفاض خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية. وأكد الباحثون من جامعة واشنطن في سانت لويس أن زيادة كمية الماء المتناولة يمكن أن تكون وقائية، خاصةً للفئات الأكثر عرضة للإصابة.
يعود ذلك إلى أن شرب الماء بكميات كافية يزيد من تدفق البول، مما يساعد على طرد البكتيريا من الجهاز البولي قبل أن تتكاثر وتسبب الالتهاب. تعتبر الإشريكية القولونية (E. coli) السبب الرئيسي لحوالي 75% من حالات التهاب المسالك البولية غير المعقدة، وبالتالي فإن فترات الصيام الطويلة مع قلة السوائل قد توفر بيئة مثالية لنمو هذه البكتيريا.
دراسة سريرية مهمة نشرت في “JAMA Internal Medicine” عام 2018، والتي لا تزال مرجعًا للباحثين، أظهرت أن النساء اللواتي زدن استهلاكهن اليومي من الماء بمقدار 1.5 لتر انخفض لديهن معدل تكرار التهابات المسالك البولية بنسبة 48% مقارنة بالمجموعة الضابطة. وهذا يشير إلى أن الجفاف المرتبط بالصيام قد يزيد من احتمالية تكرار الإصابة لدى هذه الفئة من النساء.
أهمية الوقاية من الجفاف
لذا، يُعد الحفاظ على رطوبة الجسم أمرًا بالغ الأهمية خلال شهر رمضان، خاصةً لمرضى المسالك البولية. يجب الحرص على شرب كميات كافية من الماء بين الإفطار والسحور لتجنب تركيز البول وزيادة خطر الإصابة بالتهابات.
الصيام وتعزيز المناعة: نظرة أعمق
على الرغم من خطر الجفاف، تشير الأبحاث المتزايدة إلى أن بعض أنواع الصيام قد تساهم في تحسين وظائف الجهاز المناعي. مراجعة للأدبيات المنشورة في “Discover Medicine” عام 2025 ناقشت آليات الدفاع المناعي في المسالك البولية، بما في ذلك المناعة الفطرية والتكيفية.
يُعتقد أن الصيام المتقطع قد يحفز عملية الالتهام الذاتي (Autophagy)، وهي آلية خلوية لتجديد الخلايا والتخلص من المكونات التالفة، مما قد يعزز استجابة الجسم للعدوى البكتيرية على المدى الطويل. ومع ذلك، لا تزال هذه الآليات قيد الدراسة، ولم يتم إثباتها بشكل قاطع في سياق التهابات المسالك البولية تحديدًا.
نصائح لمرضى المسالك البولية خلال رمضان
لتقليل خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية خلال شهر رمضان، يوصي الأطباء باتباع النصائح التالية: شرب ما لا يقل عن 3 لترات من الماء يوميًا، موزعة على فترات بين الإفطار والسحور. الحد من تناول اللحوم الحمراء، والأطعمة الحارة، والسكريات، والمشروبات الغازية. إدراج أطعمة مفيدة لصحة المسالك البولية في الوجبات، مثل التوت البري المجفف، والعصائر الطبيعية غير المحلاة، والأطعمة الغنية بفيتامين د والبروبيوتيك.
بالإضافة إلى ذلك، يجب تجنب حبس البول والتبول فور الشعور بالحاجة لذلك. يجب على المرضى مراقبة الأعراض، مثل وجود دم في البول، أو الحمى، أو الألم الشديد، ومراجعة الطبيب فورًا في حال ظهور أي منها. وينصح المرضى الذين يعانون من التهابات المسالك البولية المزمنة أو المتكررة باستشارة الطبيب قبل الصيام، خاصةً إذا كانوا يتناولون مضادات حيوية وقائية أو أدوية مدرة للبول.
تستمر الأبحاث في استكشاف العلاقة المعقدة بين الصيام وصحة المسالك البولية. من المتوقع أن تقدم الدراسات المستقبلية المزيد من التوضيحات حول الآليات الدقيقة التي تربط بين الصيام ووظائف الجهاز المناعي، وتأثير ذلك على خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية. يجب على المرضى الاستمرار في اتباع إرشادات الأطباء واتخاذ الاحتياطات اللازمة للحفاظ على صحتهم خلال شهر رمضان.
