كشفت دراسة تحليلية حديثة أن عوامل معينة لدى الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة تزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بحساسية الطعام. وأكد البحث، الذي نُشر في مجلة “JAMA Pediatrics” وأجراه باحثون من جامعة ماكماستر الكندية، على أهمية فهم هذه العوامل لمساعدة الآباء ومقدمي الرعاية على اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة.
تؤثر حساسية الطعام على ملايين الأشخاص حول العالم، وتحدث عندما يفسر الجهاز المناعي للجسم بعض الأطعمة على أنها تهديد، ويطلق استجابة دفاعية. يمكن أن تتراوح الأعراض من خفيفة مثل الطفح الجلدي وسيلان الأنف، إلى ردود فعل شديدة قد تهدد الحياة. يهدف هذا التحليل الواسع إلى تسليط الضوء على مسببات حساسية الطعام المبكرة.
أسباب حساسية الطعام في الطفولة المبكرة
قامت الدراسة بتحليل بيانات واسعة من 190 دراسة شملت ما يقرب من 3 ملايين طفل من 40 دولة، وذلك لتحديد العوامل الأكثر ارتباطاً بزيادة خطر الإصابة بحساسية الطعام. وأشارت النتائج إلى وجود عوامل رئيسية تزيد من احتمالية الإصابة، تتجاوز مجرد الاستجابة المناعية للأطعمة.
عوامل مرتبطة بوظيفة الجلد
كشفت الدراسة أن مشاكل وظيفة الجلد تلعب دوراً مهماً في تطور حساسية الطعام. لوحظ وجود خلل في خلايا الجلد كمؤشر قوي على زيادة خطر الإصابة. كما ارتبط التهاب الجلد التحسسي في السنة الأولى من العمر بزيادة احتمالية الإصابة بحساسية الطعام بأربع مرات. وبالمثل، فإن ارتفاع فقدان الماء عبر البشرة، الذي يعكس ضعف حاجز الجلد، زاد الاحتمالية بحوالي ثلاث مرات.
دور التاريخ المرضي للأمراض المناعية
يُعد وجود تاريخ سابق للإصابة بالأمراض المناعية المنشأ أحد عوامل الخطر الرئيسية. وبالمقارنة، زادت احتمالية الإصابة بحساسية الطعام بمقدار الضعف لدى الأطفال الذين عانوا من الصفير في الصدر (wheezing). وارتفعت هذه الاحتمالية إلى ثلاثة أضعاف لدى الأطفال الذين عانوا من التهابات الأنف والملتحمة التحسسية.
التغذية المبكرة وإدخال الأطعمة
كان لتوقيت إدخال الأطعمة الصلبة في نظام الطفل الغذائي تأثير ملحوظ. ارتبط تأخير إدخال الأطعمة الصلبة، وخاصة الفول السوداني، بعد عمر 12 شهراً بزيادة احتمالية الإصابة بحساسية الطعام بأكثر من الضعف. يشير هذا إلى أهمية الوقت المناسب لتعريض الأطفال للفول السوداني والأطعمة الأخرى الشائعة المسببة للحساسية.
تأثير المضادات الحيوية والعوامل الوراثية
استخدام المضادات الحيوية
أظهرت الدراسة علاقة قوية بين استخدام المضادات الحيوية وزيادة خطر الإصابة بحساسية الطعام. ارتبط استخدام المضادات الحيوية خلال الشهر الأول من عمر الطفل بزيادة احتمالية الإصابة بحوالي أربع مرات. كما ارتبط التعرض للمضادات الحيوية قبل الولادة بزيادة الاحتمالية بنسبة 30 في المائة، وزيادة نسبتها إلى 40 في المائة عند استخدامها خلال السنة الأولى من العمر.
الوراثة والتاريخ العائلي
تلعب العوامل الوراثية دوراً محورياً في الاستعداد للإصابة بحساسية الطعام. ضاعف وجود تاريخ عائلي للإصابة بحساسية الطعام احتمالية الإصابة لدى الطفل، خاصة إذا كان الأم أو كلا الوالدين مصابين. كما زادت الاحتمالية بأكثر من الضعف عندما كان الأشقاء يعانون من الحساسية. أما إصابة الأب فقط، فقد رفعت الاحتمالية بحوالي 70 في المائة.
عوامل اجتماعية وبيئية
لفتت الدراسة الانتباه إلى تأثير بعض العوامل الاجتماعية والبيئية. على سبيل المثال، ارتبطت هجرة الوالدين قبل ولادة الطفل بزيادة احتمالية الإصابة بأكثر من ثلاث مرات، مما قد يشير إلى تغيرات في التعرض لمسببات الحساسية أو تأثيرات على الميكروبيوم.
الفروق العرقية والأقل تأثيراً
لاحظ الباحثون أن معدل الإصابة بحساسية الطعام كان أعلى بأربع مرات تقريباً لدى الأطفال ذوي البشرة السوداء مقارنة بالأطفال البيض، وبضعفين مقارنة بالأطفال البيض غير المنحدرين من أصول إسبانية. ولكن، أشاروا إلى أن هذه الارتباطات قد تكون ناتجة عن عوامل اجتماعية وبيئية وليس عن العرق البيولوجي بحد ذاته.
بالمقابل، كانت هناك عوامل أخرى ذات تأثير أقل، مثل الجنس، حيث زادت نسبة الإصابة لدى الذكور بحوالي 24 في المائة. كما ارتبطت الولادة الأولى بزيادة طفيفة في نسبة الإصابة (13 في المائة)، وكذلك الولادة القيصرية (16 في المائة). وقد افتقرت بعض العوامل المشتبه بها، مثل أدوية الأم خلال الحمل، والاكتئاب، والبيئة الريفية، إلى أدلة قوية داعمة.
خلص الباحثون إلى أن حدوث حساسية الطعام غالبًا ما يكون نتيجة لتفاعل معقد بين عدة عوامل. ويحذرون من أن هذه الارتباطات لا تعني أن كل طفل يعاني من هذه العوامل سيصاب بالحساسية، بل يزيد ذلك من قابليته للإصابة. لذلك، ينصح الآباء، خاصة أصحاب التاريخ العائلي، بمراقبة أطفالهم بعناية عند إدخال الأطعمة الشائعة المسببة للحساسية.
