تتجه الإدارة الأمريكية نحو حيلة قانونية جديدة لفرض رسوم جمركية، وذلك بعد أن أبطلت المحكمة العليا الأسبوع الماضي فرض رسوم طارئة على دول معينة. وتعتزم واشنطن إطلاق تحقيقات موسعة في قضايا الأمن القومي، لتمكين الرئيس من تبرير فرض تعريفات جمركية جديدة، في مسعى لبناء نظامها الحمائي.
تأتي هذه التحركات كغطاء “أمني” يصعب الطعن عليه قضائياً، لضمان استمرارية سياسات “أمريكا أولاً” التجارية. يأتي ذلك بالتزامن مع بدء سريان نظام الرسوم الجمركية العالمي الجديد، والذي طبقته هيئة الجمارك وحماية الحدود بنسبة 10% على معظم الواردات، وهو ما أثار ارتباكاً في الأسواق لكونه أقل من 15% التي وعد بها الرئيس ترمب سابقاً، ويعتقد محللون أن النسبة المخفضة جاءت استجابة لضغوط الشركاء التجاريين.
واشنطن تلتف على المحكمة العليا بتحقيقات أمنية ورسوم جمركية
أكد مسؤول في البيت الأبيض أن الرسوم الجمركية العالمية ستبدأ بنسبة 10%، وأن الإدارة تعمل على رفعها إلى 15% بأمر منفصل من الرئيس. ومع ذلك، لم يتم تحديد موعد لتطبيق هذه النسبة الأعلى. قد يوفر هذا التأجيل المتوقع فرصة للحكومات والشركات للسعي للحصول على استثناءات ومعاملة تفضيلية في ظل النظام الجديد. وقد قدمت الإدارة بالفعل استثناءات واسعة النطاق للعديد من المنتجات والواردات من كندا والمكسيك.
تستند الإدارة الأمريكية في خطوتها الجديدة إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974. هذه المادة، التي نادراً ما تُستخدم، تمنح الرئيس صلاحيات استثنائية لمدة 150 يوماً لمعالجة ما يُعرف بـ “عجز ميزان المدفوعات الخطير”. ويأتي هذا الإجراء لسد الفجوة القانونية التي خلّفها قرار المحكمة العليا بإلغاء الرسوم السابقة المفروضة بموجب قانون صلاحيات الطوارئ الاقتصادية الدولية. يعتبر هذا التحرك القانوني الجديد يثير جدلاً واسعاً، خاصة وأن الفريق القانوني لوزارة العدل كان قد جادل سابقاً بأن المادة 122 غير مناسبة لمعالجة العجز التجاري.
يرى مراقبون قانونيون أن هذا اللجوء إلى قانون التجارة لعام 1974، بعد استبعاده سابقاً، يضع الإدارة في موقف ضعيف أمام القضاء. وقد وصف الخبراء هذه الاستراتيجية بأنها “ثغرة سهلة للتقاضي” قد لا تتطلب حتى الوصول إلى المحكمة العليا لإبطالها مجدداً.
بالتوازي مع ذلك، أفادت وسائل إعلام أمريكية أن الإدارة تعد خططاً لإطلاق تحقيقات تشمل تأثير الواردات على البطاريات، والحديد الزهر ووصلاته، ومعدات شبكات الكهرباء والاتصالات، والبلاستيك، والمواد الكيميائية الصناعية. كانت صحيفة “وول ستريت جورنال” أول من نشر هذه الأنباء، مشيرة إلى أن التحقيقات ستتم بموجب المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962، وهي مادة تسمح للرئيس بفرض رسوم جمركية بناءً على اعتبارات الأمن القومي. تُعتبر الرسوم الجمركية المبررة بموجب المادة 232 أكثر جدوى من الناحية القانونية، وقد استخدم الرئيس ترمب هذا البند بالفعل لفرض رسوم على المعادن والسيارات.
من جانبه، أعلن الممثل التجاري الأمريكي، جيمسون غرير، أن ترمب سيسعى أيضاً لبدء تحقيقات بموجب المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، والتي تهدف إلى معالجة الممارسات التمييزية من قبل الشركاء التجاريين. من المتوقع أن تشمل هذه التحقيقات معظم الشركاء التجاريين الرئيسيين، وتتناول قضايا مثل الطاقة الإنتاجية الصناعية الفائضة، والعمل القسري، وممارسات تسعير الأدوية، والتمييز ضد شركات التكنولوجيا الأمريكية، والخدمات الرقمية، وضرائبها، بالإضافة إلى قضايا البيئة والتجارة البحرية والزراعية.
ردود فعل دولية على الرسوم الجمركية الجديدة
في هذا السياق، هدد الرئيس ترمب بفرض تعريفات جمركية أعلى على سلع الدول التي “تتلاعب” باتفاقياتها التجارية مع الولايات المتحدة، وذلك عقب قرار المحكمة العليا. بدوره، صرح مسؤول في وزارة التجارة الصينية بأن الصين تراقب عن كثب السياسات الأمريكية، وأنها ستقرر في الوقت المناسب تعديل إجراءاتها المضادة للرسوم الأمريكية. وأكد المسؤول استعداد الصين لإجراء مشاورات صريحة خلال الجولة المقبلة من المحادثات الاقتصادية والتجارية، مشدداً على معارضة الصين لجميع أشكال الإجراءات الجمركية الأحادية.
كانت الصين قد ردت سابقاً على حرب التعريفات الجمركية بفرض رسوم مضادة على البضائع الأمريكية، كما استغلت هيمنتها على المعادن النادرة لتقييد صادراتها. وقد علقت الصين معظم هذه الإجراءات الانتقامية في نوفمبر الماضي بعد التوصل إلى هدنة تجارية.
من جانبها، أعلنت اليابان أنها طلبت من الولايات المتحدة ضمان معاملة مماثلة في إطار نظام التعريفات الجمركية الجديد، كما هو الحال في الاتفاقية القائمة. وقد أكد وزير التجارة الياباني ووزير التجارة الأمريكي أن البلدين سينفذان الاتفاقية التجارية المبرمة العام الماضي بحسن نية. ومع ذلك، أعرب وزير التجارة الياباني عن قلقه من أن بعض الصادرات اليابانية قد تواجه رسوماً أعلى إذا ما تم إضافة الرسوم الجديدة إلى الرسوم الحالية.
أما تايوان، رابع أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، فقد صرح نائب رئيس الوزراء بأن الحكومة لن تطلب من البرلمان التصديق على اتفاقية الرسوم الجمركية الثنائية الموقعة مؤخراً، إلا بعد الحصول على تأكيدات من واشنطن بأن الاتفاقية ستتجاوز أي رسوم جمركية جديدة. كما ستؤجل الحكومة التصديق على اتفاقية أخرى تتعلق بصادرات التكنولوجيا التايوانية.
تترقب الأسواق العالمية عن كثب التطورات القادمة، حيث يبدو أن الإدارة الأمريكية مصممة على استخدام أدوات قانونية جديدة لمواصلة سياساتها التجارية، بينما تسعى الدول الشريكة إلى ضمان عدم تضرر مصالحها الاقتصادية. ويبقى السؤال حول مدى فعالية هذه الاستراتيجيات الجديدة وقدرتها على الصمود أمام التحديات القانونية والتجارية.
