في خطوة تعكس استراتيجية أميركية جديدة لمواجهة التمدد الرقمي الصيني، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إطلاق مبادرة “فيلق التكنولوجيا” (Tech Corps). هذه المبادرة، التي تعد تطويراً لمفهوم “فيلق السلام” التاريخي، تهدف إلى تعزيز السيادة الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي عبر نشر آلاف المتطوعين في الدول النامية، ليكونوا بمثابة سفراء للتكنولوجيا والقيم الرقمية الأميركية.

تأتي هذه المبادرة في سياق تنافس تكنولوجي عالمي متزايد، حيث تسعى واشنطن لضمان استمرار هيمنتها في قطاع الذكاء الاصطناعي، وتحد من تأثير مبادرات بكين، مثل “طريق الحرير الرقمي”، التي اكتسبت شعبية في مناطق الجنوب العالمي.

“فيلق التكنولوجيا”: استراتيجية أميركية جديدة لمواجهة التمدد الرقمي الصيني

كشف مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض، عن تفاصيل مبادرة “فيلق التكنولوجيا” خلال “قمة تأثير الذكاء الاصطناعي” التي أقيمت في الهند. تهدف المبادرة إلى إرسال ما يقرب من 5000 متطوع ومستشار أميركي إلى الدول الشريكة خلال السنوات الخمس المقبلة. سيعمل هؤلاء المتطوعون على مساعدة المؤسسات المحلية، بما في ذلك المستشفيات والمزارع والمدارس، في دمج وتطبيق حلول الذكاء الاصطناعي المطورة في الولايات المتحدة.

ويرى محللون أن هذه المبادرة تمنح “فيلق السلام”، الذي تأسس عام 1961، هدفاً استراتيجياً جديداً يتناسب مع متطلبات العصر الرقمي. فبدلاً من التركيز على المساعدات الإنسانية التقليدية، ستتجه الجهود نحو “تصدير التكنولوجيا والقيم الرقمية”، مما يعزز النفوذ الأميركي في أسواق تقنية نامية.

التنافس مع “طريق الحرير الرقمي”

تأتي التحركات الأميركية استجابة مباشرة للشعبية المتزايدة للنماذج الصينية مفتوحة المصدر في مجال الذكاء الاصطناعي، مثل “Qwen3” من شركة “علي بابا” ونماذج أخرى من شركات مثل “كيمي” و”ديب سيك”. بينما تقود الولايات المتحدة الأبحاث المتقدمة في نماذج مغلقة ومكلفة مثل “تشات جي بي تي– 5″، فإن النماذج الصينية تتسم بـ”كفاءة التكلفة” والقدرة على التشغيل المحلي بمتطلبات بنية تحتية أقل.

تشير التقارير إلى أن النماذج الصينية أصبحت الأكثر تحميلاً على منصات المطورين مثل (Hugging Face)، نظراً لسهولة تخصيصها وتشغيلها بتكاليف حوسبة أقل. ترى واشنطن في هذا الانتشار تهديداً مباشراً لهيمنتها التقنية طويلة الأمد، وتسعى عبر “فيلق التكنولوجيا” لموازنة هذا التوجه.

التحديات الاقتصادية والدبلوماسية

على الرغم من الطموح الأميركي، يشكك بعض الخبراء في قدرة “فيلق التكنولوجيا” على التغلب على الإغراءات الاقتصادية التي توفرها الصين. يوضح كايل تشان، الزميل في معهد بروكينغز، أن “الإقناع الودي” من قبل المتطوعين قد لا يكون كافياً لمواجهة الفجوة الكبيرة في التكاليف. تبحث المؤسسات في الدول النامية غالباً عن الحلول الأرخص والأكثر مرونة، وهو ما تقدمه بكين حالياً، حسب ما نقلت “بلومبرغ”.

لمعالجة هذه الفجوة، أعلنت واشنطن عن دعم مالي للمبادرة من خلال وزارة الخارجية وبنك التصدير والاستيراد (إكزيم). سيتم تقديم “باقات متكاملة” تشمل الرقائق، والخوادم، والخدمات السحابية الأميركية بأسعار تنافسية، وذلك تحت مظلة “برنامج صادرات الذكاء الاصطناعي الأميركي” الجديد.

“تقنية أميركية… خير عالمي”

لا تقتصر أهداف “فيلق التكنولوجيا” على مجرد بيع البرمجيات، بل تمتد إلى فرض معايير تقنية عالمية تتماشى مع المصالح الأميركية. يشمل ذلك جهوداً لوضع معايير محددة لـ”وكلاء الذكاء الاصطناعي” لضمان توافق الأنظمة العالمية مع التكنولوجيا الأميركية.

تحت شعار “تقنية أميركية… خير عالمي”، سيعمل المتطوعون لمدة تتراوح بين 12 و27 شهراً في الميدان، ليكونوا بمثابة “سفراء تقنيين”. سيقومون ببناء القدرات المحلية وتخصيص الأنظمة الأميركية لتناسب اللغات والاحتياجات المحلية. تهدف هذه الجهود إلى الحد من تأثير “طريق الحرير الرقمي” الصيني، الذي نجح في بناء شبكات اتصالات في أفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا.

تمثل مبادرة “فيلق التكنولوجيا” تحولاً استراتيجياً في كيفية استخدام الولايات المتحدة لقوتها الناعمة. ففي الوقت الذي قد تشهد فيه بعض برامج المساعدات التقليدية تعديلات، يتم توجيه موارد كبيرة نحو “جيش تقني” يسعى لضمان بقاء دول العالم النامي ضمن المنظومة التكنولوجية التي تقودها الولايات المتحدة. المعركة الحاسمة حالياً لا تقتصر على الجوانب العسكرية أو الاقتصادية، بل تمتد إلى “النماذج” و”الأكواد” التي ستشكل مستقبل المجتمعات، وتدير البنى التحتية الحيوية مثل المستشفيات والمدارس والجيوش.

شاركها.