استعادت العقود الآجلة الأمريكية جزءاً من خسائرها صباح الثلاثاء، وسط ترقب المستثمرين لقرارات محتملة بشأن السياسات الجمركية الأميركية وتأثير تطورات الذكاء الاصطناعي على الأسواق العالمية. جاء هذا التعافي الحذر بعد موجة بيع حادة عقب قرارات فرض رسوم تعريفة جمركية والغموض المحيط بها، مما زاد من حالة عدم اليقين في الأسواق.
تعافٍ حذر للعقود الآجلة الأمريكية وسط ضبابية الأسواق
شهدت العقود الآجلة الأمريكية مؤشراً على التعافي التدريجي صباح الثلاثاء، حيث بدأت في استيعاب جزء من الخسائر التي تكبدتها في الجلسة السابقة. يأتي هذا الارتداد العرضي في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تخيم على الأجواء الاقتصادية، والتي تتغذى على عدة عوامل؛ أبرزها التطورات المتعلقة بالسياسات الجمركية للرئيس دونالد ترمب، وتصاعد المخاوف بشأن التأثيرات بعيدة المدى لطفرة الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد العالمي.
وكانت أسهم شركات التكنولوجيا، خصوصاً تلك المرتبطة بتطوير وتصنيع الرقائق، في مقدمة الأسهم التي شهدت موجة شراء جديدة. فقد قفز سهم شركة “أدفانسد مايكرو ديفايسز” (AMD) بنحو 14 في المائة في تعاملات ما قبل الافتتاح. هذا الارتفاع جاء عقب إعلان الشركة عن إبرام اتفاقية توريد ضخمة لرقائق الذكاء الاصطناعي بقيمة تصل إلى 60 مليار دولار مع شركة “ميتا بلاتفورمز” (Meta Platforms)، موزعة على مدى خمس سنوات. ويمثل هذا الاتفاق مؤشراً إيجابياً على الطلب المتزايد على حلول الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
بالإضافة إلى ذلك، شهد سهم سلسلة متاجر تحسين المنازل “هوم ديبوت” (Home Depot) ارتفاعاً بنسبة 2 في المائة. جاء هذا الأداء القوي بعد أن أعلنت الشركة عن نتائج فاقت توقعات المحللين خلال الربع الرابع من العام المالي، مع تثبيتها لتوجيهاتها السنوية، مما يعكس صلابة قطاع التجزئة في بعض المجالات رغم التحديات الاقتصادية.
تداعيات السياسات الجمركية ومخاوف الذكاء الاصطناعي تؤثر على الأسواق
يُذكر أن المؤشرات الرئيسية الثلاثة في بورصة وول ستريت – داو جونز الصناعي، ناسداك المركب، وستاندرد آند بورز 500 – أنهت جلسة الاثنين على تراجعات ملحوظة تجاوزت حاجز 1 في المائة لكل منها. تأثرت هذه التراجعات بشكل خاص بأسهم القطاع المالي وشركات البرمجيات، وهو ما يعكس حالة “العزوف عن المخاطرة” التي سادت بين المستثمرين. يأتي هذا في أعقاب قرارات صادرة عن المحكمة العليا الأميركية تتعلق بالرسوم الجمركية، مما أثار قلقاً بشأن احتمالية تصاعد التوترات التجارية.
وكان الرئيس دونالد ترمب قد أقدم على إعلان فرض تعريفة جمركية عالمية مؤقتة بنسبة 10 في المائة، والتي دخلت حيز التنفيذ في وقت مبكر من صباح الثلاثاء. ولكن، سرعان ما أشار لاحقاً إلى إمكانية تعديل هذه النسبة ورفعها إلى 15 في المائة، وهو ما أضاف المزيد من الضبابية حول التوقيت الفعلي للتطبيق والنطاق النهائي لهذه الرسوم. ويعلق خبراء السوق آمالاً على وضوح أكبر في السياسات المستقبلية.
صرح أنطونيو دي جياكومو، كبير محللي السوق في شركة الوساطة “إكس إي دوت كوم” (XE.com)، بأن “الأثر النقدي المباشر للرسوم قد يكون محدوداً أو مؤقتاً، إلا أن الغموض المحيط بمدتها ونطاقها يُبقي مستويات التقلب مرتفعة”. هذا التأكيد يعكس قلق المستثمرين من عدم اليقين التنظيمي والتجاري.
بالإضافة إلى ذلك، أشار محللون إلى أن تراجعات الأسهم يوم الاثنين قد تأثرت أيضاً بتقرير متحفظ أصدرته إحدى شركات الأبحاث الرائدة، والذي حذر من تداعيات محتملة وغير محسومة لصعود تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل متسارع على الاقتصاد العالمي. هذا التقرير أضاف بعداً آخر للضبابية التي تواجه الأسواق.
أداء العقود الآجلة والمتابعة الدقيقة لنتائج الشركات
بحلول الساعة 7:16 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، أظهرت بيانات التداول ارتفاعاً في العقود الآجلة لمؤشر “داو جونز” الصناعي بمقدار 121 نقطة، بما يعادل 0.25 في المائة. كما صعدت العقود الآجلة لمؤشر “ناسداك 100” بـ 91.25 نقطة (0.37 في المائة)، بينما زادت العقود الآجلة لمؤشر “ستاندرد آند بورز 500” بحوالي 11.5 نقطة (0.17 في المائة)، مما يشير إلى ترقب حذر لافتتاح الجلسة.
شهدت معظم أسهم الشركات العملاقة وأسهم النمو تعافياً طفيفاً بعد الانخفاضات الحادة التي شهدتها الجلسة السابقة. وشمل هذا التعافي أسهم شركتي “مايكروسوفت” (Microsoft) و “ميتا”، وإن كان الارتفاع فيها محدوداً. من ناحية أخرى، قفز سهم شركة “كي سايت تكنولوجيز” (Keysight Technologies) بنسبة 15.5 في المائة، بعد أن توقعت الشركة تحقيق أرباح للربع الثاني تفوق تقديرات المحللين في “وول ستريت”.
تتجه الأنظار حالياً إلى النتائج المالية لشركة “إنفيديا” (Nvidia)، الشركة الرائدة في مجال رقائق الذكاء الاصطناعي، والتي من المقرر الإعلان عنها عقب إغلاق الأسواق يوم الأربعاء. تُعد هذه النتائج الحدث الأبرز في الأسبوع، ومن المتوقع أن توفر رؤى مهمة حول مسار قطاع الذكاء الاصطناعي.
من جانب آخر، من المنتظر أن تصدر نتائج شركتي البرمجيات العملاقتين “سيلزفورس” (Salesforce) و “إنتويت” (Intuit) في وقت لاحق من الأسبوع. يتابع المستثمرون عن كثب هذه التقارير بحثاً عن أي مؤشرات تكشف عن التأثير الفعلي لتقنيات الذكاء الاصطناعي على أداء وربحية شركات البرمجيات، ولتقييم مدى تأثير المخاوف بشأن تقييمات هذه التقنيات.
الشهر الصعب للأسهم الأميركية وتوقعات السياسة النقدية
يُسجل شهر فبراير (شباط) أداءً صعباً للأسهم الأمريكية بشكل عام، حيث أثرت الارتفاعات الكبيرة في تقييمات الأسهم، إلى جانب مخاوف من اضطراب مشهد الذكاء الاصطناعي، سلباً على أداء قطاع التكنولوجيا وغيره من القطاعات. تنامي التساؤلات حول جدوى الإنفاق الضخم على تقنيات الذكاء الاصطناعي يضع ضغوطاً إضافية على السوق.
تشمل الأحداث المرتقبة الأخرى إلقاء الرئيس ترمب لـ “خطاب حالة الاتحاد” أمام الكونغرس في وقت لاحق من الثلاثاء. كما يترقب المستثمرون عن كثب تصريحات عدد من مسؤولي “بنك الاحتياطي الفيدرالي” (البنك المركزي الأمريكي) أملاً في الحصول على إرشادات حول المسار المستقبلي للسياسة النقدية.
تشير توقعات المتداولين، وفقاً لأداة “فيد ووتش” (FedWatch)، إلى أن هناك ترجيحاً كبيراً بأن يبقي “الفيدرالي” أسعار الفائدة ثابتة في اجتماعه المقرر عقده في مارس (آذار) المقبل. كما لا تتضمن الأسعار حالياً أي تخفيض محتمل قبل شهر يونيو (حزيران) المقبل، مما يعكس حالة من الترقب والاعتماد على البيانات الاقتصادية لتحركات مستقبلية.
