تفتح بوابة التنف السورية شريان طاقة عراقياً جديداً لمواجهة حصار هرمز، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز التجارة البرية بين البلدين. بغداد تبدأ تصدير النفط الخام براً عبر الأراضي السورية، مستفيدة من إعادة فتح معبر التنف الاستراتيجي، لكسر قيود الملاحة البحرية المتزايدة.
في تطور يعكس تحولاً جيوسياسياً واقتصادياً، باشر العراق رسمياً بتصدير النفط الخام براً عبر الأراضي السورية، مستخدماً معبر التنف الحدودي، في خطوة تهدف إلى تجاوز التحديات التي تفرضها التوترات المتزايدة في مضيق هرمز. هذه المبادرة، التيوصفتها دمشق بأنها “بوصلة العبور” ومنصة للطاقة، تمثل بداية مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي البري بين سوريا والعراق.
بدأت أولى قوافل ناقلات الوقود العراقية بالعبور من منفذ “التنف – الوليد” باتجاه مصفاة بانياس على الساحل السوري، لتعلن تدشين مسار جديد لتصدير النفط. وقد أكدت “الهيئة العامة للمنافذ والجمارك” السورية على جاهزيتها لتسيير الإجراءات وضمان كفاءة العمليات، مشيرة إلى أن هذه الخطوة “محطة مهمة في مسار تطوير التعاون الاقتصادي بين البلدين”.
«بوصلة العبور» السورية تستقبل شريان الطاقة العراقي
أكد وزير الطاقة السوري، محمد البشير، عبر منصة “إكس”، أن سوريا تعود لتكون “بوصلة العبور” ومنصة التصدير الاستراتيجية للطاقة الإقليمية، مع وصول الشحنات العراقية. وأشار إلى أن هذه الخطوة “تعزز المصالح الوطنية وتدفع بعجلة التكامل الاقتصادي العربي نحو آفاق أوسع”.
وقد أعلن مدير العلاقات العامة في “الهيئة”، مازن علوش، عن إعادة افتتاح منفذ التنف – الوليد، وبدء دخول قوافل ناقلات النفط العراقي تجاه مصب بانياس. بالتوازي، تتجه الجهود السورية لتفعيل منافذ أخرى مثل “اليعربية – ربيعة” و”سيمالكا – فيشخابور” لتعزيز الربط الحدودي الشامل.
من جانبه، أكد مدير ناحية الوليد العراقية، مجاهد مرضي الدليمي، أن المنفذ شهد افتتاحاً تجريبياً، وباشرت الصهاريج بالعبور. وتوقع أن يصل معدل دخول الصهاريج إلى نحو 500 صهريج يومياً كحد أدنى، مما يسهم في زيادة الصادرات النفطية العراقية.
فائدة استراتيجية للعراق وسوريا في ظل تحديات هرمز
تكتسب هذه العملية أهمية قصوى في ظل التصعيد الإقليمي والتهديدات المباشرة للملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد شرياناً حيوياً للطاقة العالمية. يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن هذه الخطوة تمثل “خياراً حيوياً ومتاحاً” للعراق لاستمرار تدفق صادراته النفطية.
يشير عياش إلى أن التوجه الحالي يهدف إلى زيادة معدل دخول الناقلات إلى ما بين 500 و700 شاحنة يومياً. ويؤكد أن استدامة هذا التصدير يعتمد على موازنة الحاجة المالية للنفط مع التحديات الأمنية الميدانية في المنطقة الحدودية.
يشير التقرير إلى أن العراق خفض إنتاجه النفطي بنحو 80% ليصل إلى 800 ألف برميل بسبب صعوبات الشحن. إن استغلال الطريق البري عبر سوريا، رغم المخاطر الأمنية المحتملة، يمثل حلاً مرحلياً ضرورياً لاستمرارية التصدير.
تسيير رغم المخاطر المحتملة
على الرغم من المخاطر الأمنية التي قد تواجه القوافل، فإن بدء تسيير أولى الشحنات الفعلية يشير إلى عزم على المضي قدماً. يعتمد استمرار العملية بشكل أساسي على قدرة القوات الأمنية في البلدين على تأمين الطرق الحيوية، وتوفر الإمكانيات اللازمة لإعادة إحياء خطوط الأنابيب القديمة.
عوائد اقتصادية وإنعاش للخزينة السورية
من المتوقع أن تحقق عملية تصدير النفط العراقي عبر سوريا عوائد مالية مباشرة وغير مباشرة لسوريا. تقدر الدراسات الاقتصادية عوائد رسوم العبور بما بين 150 مليوناً و200 مليون دولار سنوياً في حال تشغيل الخط بكامل طاقته.
بالإضافة إلى رسوم العبور، تستفيد الخزينة السورية من رسوم الموانئ، ورسوم استخدام المستودعات، وعوائد خدمات الطريق للشاحنات. كما أن تشغيل مئات الشاحنات يومياً سيحرك العجلة الاقتصادية في المناطق التي تمر بها القوافل، عبر إنفاق كبير على الوقود والصيانة.
توقع عياش أن تحصل سوريا على حصص نفطية بأسعار تفضيلية أو في جزء من أجور العبور، مما يخفف من فاتورة استيراد الطاقة. هذه العوائد حيوية لإنعاش النشاط الاقتصادي وتوفير العملة الصعبة، لكن الأرقام النهائية تعتمد على الكميات المصدرة واستقرار الوضع الأمني.
في الختام، يترقب المراقبون مدى استقرار الوضع الأمني على الحدود السورية العراقية، وهو ما سيلعب دوراً حاسماً في تحديد استمرارية ونجاح خط تصدير النفط العراقي عبر بوابة التنف السورية. كما ينتظر تفعيل المنافذ الحدودية الأخرى، والتي من المرجح أن تعزز من دور سوريا كمركز عبور إقليمي للطاقة.
