غيوم حرب إيران… بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

تلقي غيوم حرب إيران بظلالها القاتمة على الأسواق العالمية، مخلفة حالة من الاضطراب وعدم اليقين لدى المستثمرين شرقاً وغرباً. فعلى وقع المستويات القياسية لأسعار النفط، والضغوط التضخمية المتزايدة، تتهاوى الأصول التقليدية، تاركة المستثمرين يبحثون في فراغ عن ملاذات آمنة لم تعد موجودة.

كانت التقلبات الحادة في الأسواق العالمية، من الأسهم إلى السلع، بمثابة كابوس للمستثمرين، مما دفع البعض إلى تقليص مراكزهم الاستثمارية بشكل حاد. وقال وانغ يابي، مدير صندوق «زيجي» الخاص في شنغهاي، إن التخوف من هذه التقلبات دفعه إلى تخفيض مراكزه في المحفظة إلى نحو 30 في المائة، مؤكداً أن الشعور بالارتياح جاء بعد هذا القرار، على الرغم من انتعاش طفيف لاحقاً.

وأشار وانغ إلى صعوبة استراتيجية الاستثمار في ظل هذه الظروف، حيث أن ما يبدو فرصة للشراء عند أدنى مستوياته اليوم، قد يتحول إلى خسارة فادحة مع موجة بيع أخرى في اليوم التالي. وأضاف: “عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال”. ولا يقتصر هذا التحدي على وانغ، بل يواجهه المستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون في مختلف أنحاء العالم، مما استدعى ليالٍ بلا نوم، وعمل شاق في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء.

تأثير الحرب على الأصول العالمية

تتمحور المخاوف الرئيسية حول مدة استمرار التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وتأثيرها المباشر على أسعار النفط التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل. وترتبط هذه التطورات ارتباطاً وثيقاً بمخاوف التضخم، وأسعار الفائدة، والقرارات المستقبلية للبنوك المركزية.

وبينما كان الذهب يعتبر الملاذ الآمن التقليدي في أوقات الأزمات، فقد سجل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بنسبة حوالي 16 في المائة، متأثراً بالديناميكية المتقلبة للسوق. وبالمثل، شهدت عوائد سندات الخزانة الأميركية ارتفاعاً ملحوظاً، مسجلة أكبر مكاسب لها منذ أكتوبر 2024. وعلى الرغم من أن بعض المشاركين في السوق يحاولون الاستفادة من دروس سابقة مثل الحرب الروسية الأوكرانية وجائحة كوفيد-19، إلا أن معظمهم يجدون أن الاستراتيجيات التقليدية لم تعد مجدية.

اختفاء الملاذات الآمنة

وصرح راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، بأن هناك “عدد قليل جداً من الأصول الآمنة” في السوق حالياً. وأوضح أن سندات الخزانة، والعملات التقليدية مثل الين الياباني والفرنك السويسري، وحتى الذهب والفضة، لم تعد تقدم الحماية المرجوة للمستثمرين.

وقد أدت التوترات الحالية، التي اندلعت إثر الضربات المتبادلة، إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو شريان حيوي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً. وقد أثار هذا الإغلاق شبح الركود التضخمي، مما دفع المستثمرين إلى بيع جميع الأصول تقريباً، باستثناء الدولار الأميركي. وأشار دي ميلو إلى أن مديري الأصول يقومون بخفض استثماراتهم في الأسهم، لعدم وجود مكان آمن للاختباء.

الأسهم الآسيوية تحت الضغط

كانت الأسهم الآسيوية من بين الأكثر تضرراً، حيث شهدت الأسواق الكورية الجنوبية واليابانية انخفاضات كبيرة، في حين أظهرت الأسهم الأميركية أداءً أفضل نسبياً، مما اجتذب بعض المستثمرين رغم الانخفاض العام.

وأفاد كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، بأن مكتب التداول شهد عمليات بيع صافية مستمرة في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تعد مؤشراً على انكشاف المستثمرين العالميين على تايوان.

من جانبه، قام ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، بتقليص مراكزه في الأسواق الناشئة وزيادة انكشافه على الولايات المتحدة بشكل تكتيكي. لكنه حذر من تفاقم الضغوط إذا سارت البنوك المركزية العالمية على خطى أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

صدمة غير مسبوقة وتحديات للمستثمرين

بالنسبة لأولئك الذين كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، كانت الأوضاع صعبة للغاية. وروى أحد المتداولين في شركة طاقة كيف تسببت بداية الحرب في ليالٍ بلا نوم، خاصة وأن شركته كانت تمتلك مراكز استثمارية كانت تراهن على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن الأسبوع التالي كان مليئاً بالتوتر، وشهد تقلبات حادة وزيادة في الاجتماعات الداخلية. وأكد أن هذه هي طبيعة العمل في قطاع يتطلب يقظة مستمرة.

بالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب تحدي إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وأوضح جوه أن العمل متواصل بلا توقف، وغالباً ما ينام في ساعات متأخرة من الليل.

أثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً لصفقة استحواذ على شركة الألعاب الإلكترونية «إلكترونيك آرتس». وتتبع السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي لشن ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية، مما قد يؤثر على تكاليف الاقتراض للمقترضين.

وقد أدت التقلبات المستمرة إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. وصرح موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول، بأن الحاجة المستمرة لمراقبة السوق والتفاعل معه تؤثر بلا شك على القدرات الذهنية. وأشار ديف إلى أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية، لكنه لم يجزم ما إذا كان الوضع الحالي يضاهي تلك اللحظات.

وأضاف ديف: “إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً”. وتظل الأنظار متجهة نحو التطورات المستقبلية في الشرق الأوسط، وتأثيرها المستمر على استقرار الأسواق العالمية.

شاركها.