قفزت الأسواق اليابانية بشكل ملحوظ، حيث سجل مؤشر نيكي 225 أكبر ارتفاع له في عام، مدعوماً بالإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. هذا الاتفاق، الذي جاء بجهود وساطة من باكستان، قد خفف من المخاوف بشأن استقرار إمدادات النفط وأدى إلى انخفاض حاد في أسعاره، مما انعكس إيجاباً على الاقتصاد الياباني المعتمد على الطاقة المستوردة.

شهدت بورصة طوكيو انتعاشاً قوياً، حيث ارتفع مؤشر نيكي 225 بنسبة 5.39 في المائة ليصل إلى 56,308.42 نقطة، مسجلاً أعلى مستوى إغلاق له منذ أوائل مارس. تزامن هذا الارتفاع مع انخفاض عائد السندات الحكومية اليابانية إلى 2.365 في المائة، بعد أن كان قد بلغ أعلى مستوى له في 27 عاماً في اليوم السابق. هذه التحركات تعكس تزايد ثقة المستثمرين في استقرار الأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية.

انتعاش الأسواق اليابانية مع إعلان وقف إطلاق النار في إيران

بعد أسابيع من التوترات المتصاعدة والقصف المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن موافقته على اتفاق وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين. جاء هذا الإعلان قبيل الموعد النهائي الذي حددته واشنطن لطهران لإعادة فتح مضيق هرمز، وهو الممر الملاحي الحيوي لنقل النفط. وصف المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الاتفاق بأنه انتصار، مشيراً إلى أن واشنطن قد قبلت بشروط بلاده لوقف إطلاق النار.

يعتقد شينغو إيدي، كبير استراتيجيي الأسهم في معهد أبحاث “إن إل آي”، أن دور باكستان كطرف وسيط قد أضفى مصداقية على الاتفاق، مما ساهم في تفاؤل السوق. وتشير التقارير إلى أن باكستان لعبت دوراً في دفع إيران إلى تخفيف الحصار عن مضيق هرمز، وهو ما يبدو أنه قد تحقق بالفعل. يرى إيدي أن استمرار هذا الوضع الإيجابي لأكثر من أسبوعين قد يفتح الباب أمام وقف إطلاق نار حقيقي ودائم.

تأثرت أسعار النفط الخام بشكل مباشر بهذا التطور، حيث انخفضت العقود الآجلة للنفط الخام الأمريكي بأكثر من 19 في المائة في وقت ما لتتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل. في المقابل، ارتفع الين الياباني إلى أعلى مستوى له في أكثر من أسبوعين مقابل الدولار، عند 158.05 ين. يعتبر الاقتصاد الياباني حساساً للغاية لتقلبات أسعار النفط نظراً لاعتماده الكبير على الواردات لتلبية احتياجاته من الطاقة.

يُذكر أن أكبر ارتفاع لمؤشر نيكي هذا الأسبوع هو الأكبر منذ 10 أبريل 2025، عندما قفز المؤشر بنسبة 9 في المائة إثر تراجع ترامب عن خططه لفرض رسوم جمركية باهظة. خلال الأزمة، شهدت عوائد سندات الحكومة اليابانية ارتفاعاً ملحوظاً، وسط مخاوف متزايدة من أن تدفع ضغوط التضخم بنك اليابان إلى تسريع وتيرة رفع أسعار الفائدة، مما قد يفرض على الحكومة توسيع نطاق التحفيز الاقتصادي.

أشارت بيانات مقايضات أسعار الفائدة إلى احتمال بنسبة 52 في المائة لرفع بنك اليابان لأسعار الفائدة هذا الشهر، وهو انخفاض عن نسبة 60 في المائة التي كانت مسجلة في وقت سابق من الأسبوع. هذا التراجع المحتمل في توقعات رفع الفائدة قد يساهم في استمرار جاذبية الأسهم اليابانية.

القطاعات الأكثر استفادة والخاسرون

كانت الشركات العاملة في قطاع أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، والتي تتطلب طلباً هائلاً على الطاقة، من بين أبرز الرابحين في سوق الأسهم اليابانية. في المقابل، شهد قطاعا التعدين والشحن انخفاضاً في مؤشر توبكس. تصدرت شركة “كيوكسيا” القابضة لصناعة الرقائق الإلكترونية قائمة الرابحين في مؤشر نيكي، حيث ارتفعت أسهمها بنسبة 18.6 في المائة. تبعتها “فوروكاوا إلكتريك” بنسبة 17.6 في المائة، ثم “أدفانتست” بنسبة 13.6 في المائة.

على الجانب الآخر، تراجعت أسهم شركة “إنبكس” للتنقيب عن النفط بنسبة 6.2 في المائة، لتكون بذلك المتصدرة لقائمة الخاسرين. وجاءت بعدها شركة “إيديميتسو كوسان” بانخفاض قدره 5.9 في المائة، ثم شركة “كاواساكي كيسن” للشحن البحري بانخفاض قدره 3.9 في المائة. يعكس هذا التباين التأثير المباشر لانخفاض أسعار النفط على شركات الطاقة.

ترى ماكي ساودا، استراتيجية الأسهم في شركة “نومورا” للأوراق المالية، أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت أسعار النفط الخام وإمداداته ستعود إلى مستويات ما قبل النزاع. وبسبب هذا الغموض المستمر، تتوقع ساودا احتمالاً كبيراً لتراجع الأسعار بعد هذا الارتفاع الحاد الذي شهدته.

تكالب على الأسهم الأجنبية في ظل تقلبات السوق

في سياق متصل، بلغ حجم استثمارات المستثمرين اليابانيين في الأسهم الأجنبية في شهر مارس أكبر مستوى له منذ حوالي عام. عزز ضعف الين مؤخراً وانخفاض أسعار الأسهم نسبياً بسبب حرب الشرق الأوسط من إقبال المستثمرين. وفقاً لبيانات وزارة المالية اليابانية، بلغت صافي مشتريات المستثمرين المحليين من الأسهم الأجنبية 2.22 تريليون ين (ما يعادل 14.04 مليار دولار). تُعد هذه أكبر عملية شراء شهرية صافية لهم منذ أبريل 2025.

أشار محللون في بنك “باركليز” إلى أن تدفقات حسابات التوفير الفردية اليابانية الجديدة (نيسا) ساهمت في زيادة شراء الأسهم الأجنبية. برنامج نيسا هو مبادرة حكومية يابانية معفاة من الضرائب، تهدف إلى تشجيع الأفراد على تحويل مدخراتهم النقدية إلى استثمارات في سوق الأسهم.

في المقابل، باع المستثمرون المحليون سندات أجنبية بقيمة 4.12 تريليون ين، مسجلين بذلك أكبر عملية بيع صافية شهرية منذ أكتوبر 2024. كما انخرطت حسابات الصناديق الائتمانية في شراء أسهم أجنبية بقيمة 1.3 تريليون ين تقريباً، بينما باعت سندات طويلة الأجل بقيمة صافية بلغت 601.4 مليار ين. في غضون ذلك، استثمرت شركات إدارة الصناديق الائتمانية والحسابات المصرفية في الأسهم الأجنبية بمبالغ بلغت 828.3 مليار ين و226.3 مليار ين على التوالي.

أظهرت بيانات منفصلة من بنك اليابان أن المستثمرين اليابانيين قد تخلوا عن سندات أمريكية بقيمة صافية بلغت 3.42 تريليون ين في فبراير، وهو أعلى مستوى شهري منذ يونيو 2022. كما تخلوا عن سندات أوروبية بقيمة 173.3 مليار ين في الشهر نفسه، وباعوا سندات فرنسية وألمانية، لكنهم أضافوا سندات إيطالية بقيمة صافية بلغت 158.07 مليار ين خلال الفترة نفسها. يوضح هذا التحول الاستراتيجي تنقل المستثمرين بين الأصول المختلفة بحثاً عن أفضل العوائد في ظل الأوضاع الاقتصادية المتغيرة.

مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن استقرار أسعار النفط وتداعيات اتفاق وقف إطلاق النار، ستتابع الأسواق اليابانية عن كثب أي تطورات جيوسياسية أو اقتصادية قد تؤثر على مسارها. ومن المتوقع أن تركز الأنظار خلال الأسابيع المقبلة على جهود استقرار المنطقة وتأثيرها على سلاسل الإمداد العالمية، بالإضافة إلى قرارات بنك اليابان المتعلقة بأسعار الفائدة.

شاركها.