تشهد خريطة التجارة العالمية تحولاً جذرياً، حيث أفادت وزارة التجارة الأميركية في تقاريرها لعام 2025 بانخفاض تاريخي وغير مسبوق لحصة الصين من سوق الواردات الأميركية، لتصل إلى 9 في المائة فقط. هذه هي المرة الأولى التي تنخفض فيها هذه النسبة تحت حاجز 10 في المائة منذ مطلع الألفية الثالثة، في ما وصفه المحللون بـ«انهيار تجاري» مدفوع بسياسات الرسوم الجمركية الإدارية. تراجع هيمنة الصين على الأسواق الأميركية يعكس إعادة تشكيل لسلاسل التوريد العالمية بعيداً عن بكين.
كشفت بيانات ديسمبر 2025 عن انخفاض قيمة الواردات الأميركية من الصين إلى 308 مليارات دولار، وهو أدنى مستوى منذ عام 2009. هذا الانخفاض يمثل تراجعاً بنسبة تزيد على 42 في المائة مقارنة بالذروة المسجلة في عام 2018، والتي بلغت 539 مليار دولار. وفقاً لمؤسسة «فيتش» للتصنيف الائتماني، واجهت البضائع الصينية معدل رسوم جمركية فعال وصل إلى 30.9 في المائة في نوفمبر الماضي، مما أثر بشكل كبير على القدرة التنافسية لأسعار المنتجات الصينية مقارنة بدول أخرى.
الصين تفقد هيمنتها على الأسواق الأميركية في عام «الزلزال التجاري»
أدت السياسات التجارية التي انتهجتها إدارة الرئيس الأميركي آنذاك، دونالد ترمب، والمتعلقة بفرض رسوم جمركية مرتفعة على السلع الصينية، إلى إعادة هيكلة عميقة لسلاسل التوريد العالمية. اعتبرت هذه السياسات بمثابة «زلزال تجاري» أعاد تشكيل العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، وأجبر الشركات على البحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر استقراراً. لم يكن هذا التحول مفاجئاً بالنظر إلى التصعيد المستمر في التوترات التجارية بين البلدين على مدى السنوات الماضية، والذي دفع العديد من الشركات إلى تنويع مصادرها.
بالإضافة إلى الرسوم الجمركية، لعبت الاعتبارات الجيوسياسية دوراً في هذا التراجع. سعت الولايات المتحدة إلى تقليل اعتمادها على الصين كمورد رئيسي للسلع الاستراتيجية، ودعمت نقل التصنيع إلى دول حليفة أو قريبة جغرافياً. هذا التوجه دفع الكثير من الشركات الأميركية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها اللوجستية والتصنيعية، مع التركيز على بناء علاقات تجارية أكثر متانة وموثوقية.
قطاع الهواتف الذكية: الهند تغتنم الفرصة
شهد قطاع الهواتف الذكية تحولاً جذرياً؛ فقد تراجعت حصة الصين في سوق الهواتف الأميركية من 65 في المائة في عام 2018 إلى 21 في المائة فقط في عام 2025. وفي المقابل، تضاعفت واردات الهواتف من الهند ثلاث مرات لتصل إلى 25 مليار دولار، مستحوذة على 42 في المائة من سوق الهواتف الذكية المستوردة في أميركا. اتخذت نيودلهي من قرار ترمب باستثناء الهواتف الذكية من الرسوم الإضافية فرصة سانحة لتعزيز صادراتها، مما جعلها البديل الأعلى جاذبية للشركات الأميركية.
قطاع الكومبيوتر: تساؤلات حول المصدر الحقيقي
سجل قطاع أجهزة الكومبيوتر وملحقاتها تراجعاً مذهلاً للصين، حيث انخفضت حصتها من 26 في المائة في عام 2024 إلى 4 في المائة فقط في عام 2025. بالتوازي، قفزت الواردات من تايوان لهذه الأجهزة إلى 85 مليار دولار، كما ضاعفت المكسيك صادراتها من أجهزة الكومبيوتر لتصل إلى 90 مليار دولار. ومع ذلك، تثير هذه الزيادة تساؤلات لدى إدارة واشنطن حول ما إذا كانت هذه المنتجات تُصنع فعلياً في تلك الدول أم أنها مجرد معبر للبضائع الصينية للالتفاف على الرسوم الجمركية.
الألعاب والملابس: تراجع تدريجي
تراجع دور الصين كمورد رئيسي في سوق الألعاب والملابس الرياضية، حيث انخفضت حصتها من 80 في المائة إلى 53 في المائة. وكان التراجع الأبرز في أجهزة ألعاب الفيديو، حيث هبطت حصة الصين من 86 في المائة إلى الربع فقط. كما انخفضت واردات المنسوجات والأحذية من 36 مليار دولار في عام 2024 إلى 24 مليار دولار في عام 2025، لتشكل الصين 20 في المائة فقط من هذه السوق، بعد أن كانت تستحوذ على 42 في المائة قبل عقد من الزمن.
على الرغم من أن المحكمة العليا الأميركية ألغت مؤخراً بعض الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترمب، إلا أن الضرر الذي لحق بمكانة الصين كمورد رئيسي يبدو طويل الأمد. بدأت الشركات الأميركية في توطين سلاسل توريدها في دول تعتبرها واشنطن «أعلى موثوقية» أو أقرب جغرافياً. النتيجة المتوقعة هي استمرار التحول نحو شركاء تجاريين جدد، مع استمرار التفاوت في المبادرات التجارية المستقبلية بين الولايات المتحدة والصين.
