فتحت المملكة العربية السعودية الباب أمام استثناءات مهمة للجهات الحكومية، تتيح لها التعاقد مع شركات عالمية لا تمتلك مقراً إقليمياً في البلاد. تأتي هذه الخطوة، التي أعلنت عنها هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، لتعزيز مرونة بيئة الأعمال والاستثمار، مع الحفاظ على ضوابط صارمة تضمن كفاءة الإنفاق وتنفيذ المشاريع الحيوية. هذا التعديل يسمح بموازنة الهدف الوطني بنقل المقرات الإقليمية مع استمرارية الأعمال التي تتطلب خبرات عالمية خاصة.

وتأتي هذه الآلية الجديدة في إطار سعي المملكة لدعم رؤيتها الاقتصادية، حيث بلغ عدد الشركات العالمية التي نقلت مقراتها الإقليمية إلى العاصمة الرياض أكثر من 700 شركة حتى أوائل عام 2026، متجاوزة بذلك المستهدف المبدئي. وتؤكد هذه الخطوات التزام المملكة بتوطين الخبرات الدولية وجعلها مركزاً للأعمال في المنطقة.

السعودية تفتح باب الاستثناءات للتعاقد مع الشركات العالمية دون مقر إقليمي

أبلغت هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية جميع الأجهزة الحكومية بآلية التقدم بطلبات الاستثناء عبر منصة «اعتماد» الرقمية. وتهدف هذه الآلية إلى منح الجهات الحكومية القدرة على التعاقد مع شركات عالمية لا تملك مقراً إقليمياً في المملكة، وذلك في حالات محددة تستدعي خبرات فنية خاصة أو تتميز بتنافسية مالية عالية. يأتي هذا القرار ليضع حلاً للتحديات التي قد تنشأ عند تطبيق قرار إيقاف التعاقد مع الشركات التي لها مقرات إقليمية خارج المملكة، والذي بدأ تطبيقه مطلع عام 2024.

وكان القرار السابق يلزم المؤسسات التجارية والشركات الأجنبية التي لها مقر إقليمي في المنطقة، بأن يكون هذا المقر في المملكة العربية السعودية، ما لم يكن هناك استثناء. ويشمل القرار جميع الهيئات والمؤسسات والصناديق التابعة للحكومة أو أي من أجهزتها، بهدف تحفيز نقل المقرات الإقليمية وتعزيز المحتوى المحلي. لكن مرونة هذه الاستثناءات تضمن عدم تعطيل المشاريع الاستراتيجية.

آليات تقديم طلبات الاستثناء

أوضحت الهيئة أن خدمة تقديم طلبات الاستثناء متاحة للجهات الحكومية عبر منصة «اعتماد» منذ نوفمبر 2025. وتتطلب هذه العملية أن تقوم الجهات الحكومية بالتقدم بطلب الاستثناء قبل طرح المنافسة أو البدء في إجراءات التعاقد المباشر. هذا الإجراء يضمن مراجعة وتقييم دقيق للحالات التي تستدعي الاستثناء.

وتشمل ضوابط تقديم الطلبات أن الجهة الحكومية المعنية يمكنها التقدم بطلب إلى اللجنة المختصة، محدداً المشروع أو المشاريع أو الفترة الزمنية التي يشملها الاستثناء. وتهدف منصة «اعتماد» إلى تسهيل الإجراءات الحكومية لجميع الأطراف، بما في ذلك القطاع الخاص، من خلال توفير بيئة رقمية شفافة وفعالة.

التقييم الفني وشروط قبول العروض

تنص الضوابط على أن الشركات التي ليس لها مقر إقليمي في المملكة أو أي طرف ذي علاقة، لا تزال قادرة على التقدم بعروض للمنافسات العامة. ومع ذلك، فإن قبول هذه العروض مقيد بحالتين أساسيتين. الحالة الأولى هي عدم وجود أكثر من عرض واحد مقبول فنياً. أما الحالة الثانية، فتتعلق بالعروض التي تعتبر الأفضل فنياً، وتكون قيمتها المالية أقل بنسبة 25% أو أكثر من قيمة ثاني أفضل عرض.

يُضاف إلى ذلك، هناك استثناءات إضافية للضوابط تشمل المشاريع التي لا تتجاوز تكلفتها التقديرية مليون ريال سعودي (ما يعادل حوالي 266 ألف دولار أمريكي). كما تمنح الضوابط للوزير المختص صلاحية تعديل قيمة هذا المبلغ أو إلغاء الاستثناء أو إيقاف العمل به مؤقتاً، وذلك وفقاً لمقتضيات المصلحة العامة.

أهداف نقل المقرات الإقليمية

جاء قرار المملكة بإلزام الشركات العالمية التي تتعامل مع الحكومة بنقل مقراتها الإقليمية إلى المملكة بهدف تحفيز توفير فرص عمل، والحد من التسرب الاقتصادي، ورفع كفاءة الإنفاق. كما يهدف إلى ضمان تنفيذ المنتجات والخدمات الرئيسية التي تشتريها الأجهزة الحكومية على الأراضي السعودية، مع التأكيد على أهمية المحتوى المحلي المناسب. وتتوافق هذه الخطوة مع استراتيجية الرياض 2030، التي أعلن عنها خلال «منتدى مبادرة مستقبل الاستثمار».

وأوضحت المملكة في وقت سابق أن هذا التوجه لن يؤثر سلباً على قدرة أي مستثمر على دخول الاقتصاد السعودي أو الاستمرار في التعامل مع القطاع الخاص. وتُشكل هذه الاستثناءات الجديدة دليلاً على قدرة المملكة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية وتقديم بيئة أعمال مرنة وجاذبة.

من المتوقع أن تستمر الجهات الحكومية في الاستفادة من هذه الاستثناءات لتنفيذ مشاريعها بكفاءة، مع التركيز على تحقيق الأهداف الوطنية لتنمية المحتوى المحلي وتعزيز الاستثمارات. وسيتم متابعة مدى تأثير هذه التعديلات على وتيرة نقل المقرات الإقليمية وتعزيز الاقتصاد المحلي.

شاركها.