في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية التي تُهدد استقرار سلاسل الإمداد العالمية، وفي مقدمتها الاضطرابات في مضيق هرمز، تواصل السعودية نهجها الاستباقي لتعزيز متانة اقتصادها الوطني وحماية الشركات من تداعيات التقلبات الخارجية، من خلال رفع جاهزية القطاع الخاص لمواجهة أي تحديات تتعلق بسلاسل الإمداد. وتشير التطورات الأخيرة إلى تكثيف الجهود الرسمية لدعم الشركات في مواجهة المخاطر اللوجستية المتزايدة، بما يضمن استمرارية الأعمال وتعزيز المرونة الاقتصادية.
وكشفت معلومات لـ«الشرق الأوسط» أن اتحاد الغرف السعودية يجري تحركات تستهدف رفع جاهزية المنشآت، وتوحيد الإجراءات، وضمان انسيابية الأعمال في بيئة تتسم بارتفاع مستوى المخاطر اللوجستية. وتعكس هذه الخطوة حرص الجهات المعنية على تعزيز كفاءة السوق المحلية، وتقليل أثر أي اضطرابات محتملة في حركة التجارة العالمية، من خلال تمكين القطاع الخاص من التكيّف السريع مع المتغيرات، وتعزيز مرونته التشغيلية، بما ينسجم مع مستهدفات الاستقرار الاقتصادي واستدامة النمو.
جهود لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد
في إطار المبادرات والحلول اللوجستية الرامية لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد في ظل الظروف الراهنة، يقوم اتحاد الغرف السعودية بحصر التحديات التي تواجه الشركات والمؤسسات الوطنية في هذه المنظومة. يهدف هذا الحصر إلى تمثيل صوت القطاع بشكل مباشر، وبناء صورة دقيقة للتحديات الفعلية، والتأثير على القرارات المستقبلية المرتبطة بمنظومة سلاسل الإمداد. ويرصد الاتحاد التحديات التشغيلية واللوجستية التي تواجه المنشآت، ويحولها إلى مدخلات تُرفع للجهات ذات العلاقة بهدف تحسين البيئة التنظيمية واتخاذ قرارات مبنية على واقع السوق.
وقد طالب الاتحاد المنشآت بتحديد التحديات التي تواجهها، سواءً أكانت عبر المنافذ البحرية أم البرية والمطارات والمراكز اللوجستية والمستودعات، أم من خلال الجهات التنظيمية. ودعا اتحاد الغرف السعودية القطاع الخاص لتوضيح طبيعة التحدي من تأخير التخليص أو العبور، وتعطل الإجراءات، والرسوم والتكاليف الإضافية، ونقص المعلومات، وتضارب التعليمات، أو متطلبات تنظيمية، وغيرها. كما يهدف إلى معرفة نوع الأثر الذي تحدثه هذه التحديات في الأعمال، وما إذا كانت مالية أو تشغيلية، مثل تأخير التسليم، وفقد عملاء، وتوقف عقود، وتلف شحنات، وتعطل سلسة إمداد.
وتشير التوقعات إلى أن نتائج حصر التحديات سيكون لها تأثير مباشر على تحسين البيئة التنظيمية، وتمكين الجهات المعنية من اتخاذ قرارات مستنيرة ومبنية على واقع السوق واحتياجات الشركات. إن التركيز على هذه التفاصيل يساعد في معالجة القضايا الأساسية التي تؤثر على كفاءة سلاسل الإمداد.
حلول لوجستية استباقية
لم تقتصر الجهود الحكومية على حصر التحديات، بل اتخذت الحكومة السعودية حزمة من الحلول اللوجستية الاستباقية لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على ممر مضيق هرمز. من أبرز هذه الحلول إطلاق ممرات لوجستية جديدة تربط موانئ الخليج بطرق برية وبحرية بديلة. بالإضافة إلى ذلك، يتم استخدام طرق بديلة عبر البحر الأحمر، وكذلك إضافة خدمات شحن ملاحية جديدة في الموانئ لزيادة السعة التشغيلية.
ومن ضمن الإجراءات الداعمة أيضاً، أعلنت الهيئة العامة للنقل عن إتاحة التعاقد لنقل البضائع للغير للمنشآت المرخصة في نشاط النقل التجاري لصالح المنشأة، وذلك بشكل استثنائي حتى تاريخ 25 سبتمبر (أيلول) من العام الحالي. تهدف هذه الخطوة إلى رفع كفاءة استخدام أسطول النقل البري وتعزيز مرونته التشغيلية، بما يواكب المتغيرات الحالية ويضمن استمرارية حركة البضائع.
وأوضحت الهيئة أن هذا الإجراء يأتي ضمن إجراءات استثنائية تمكن المنشآت من الاستفادة المُثلى من قدراتها التشغيلية، بما يدعم استمرارية سلاسل الإمداد ويعزز كفاءة حركة نقل البضائع داخل المملكة وإلى الدول المجاورة. إن توفير هذه المرونة في عقود النقل يمثل دعماً مباشراً للشركات في أوقات الاضطراب.
كما أقرّت الهيئة العامة للنقل تحديثات تنظيمية شملت تمديد بعض المهل المحددة لتعديل أوضاع منشآت النقل البري على الطرق لأنشطة نقل البضائع، بما يُعزز كفاءة التشغيل، ويرفع مستوى الامتثال في القطاع. وشمل التحديث تمديد المهلة الواردة في آلية تعديل أوضاع منشآت النقل البري على الطرق لأنشطة النقل الثقيل للبضائع، وكذلك أنشطة النقل الخفيف للبضائع، وذلك حتى تاريخ 27 أغسطس (آب) 2026.
هذا التمديد يتيح للمنشآت استكمال إجراءات التصحيح والتوافق مع المتطلبات التنظيمية المعتمدة، مما يقلل الضغط عليها ويوفر وقتاً إضافياً للتكيف. وامتد التحديث ليشمل الحالات المرتبطة بتعديل نوع تسجيل المركبة من نقل خاص إلى نقل عام، في أنشطة النقل الثقيل للبضائع، في خطوة تدعم تنظيم النشاط، وتُعزز كفاءة استخدام الأسطول ضمن الأطر النظامية.
بشكل عام، تشير هذه الإجراءات إلى التزام سعودي قوي بتعزيز جاهزية القطاع الخاص لمواجهة تحديات سلاسل الإمداد. ومن المتوقع أن تسهم هذه المبادرات في بناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على الصمود في وجه التحديات العالمية. يترقب القطاع الخاص نتائج الحصر التفصيلي للتحديات، بالإضافة إلى متابعة تنفيذ هذه الحلول اللوجستية، لا سيما مع اقتراب مواعيد سريان بعض الإجراءات التنظيمية.
