أبقت وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال ريتينغز» على التصنيف الائتماني السيادي لدولة قطر عند مستوى «AA/A-1+»، مشيرة إلى أن الأصول المالية والخارجية الضخمة المتراكمة لدى الدوحة تلعب دوراً حاسماً في دعم الاقتصاد وتخفيف تداعيات التوترات الجيوسياسية، لا سيما الحرب الأميركية الإسرائيلية الدائرة مع إيران. وتؤكد الوكالة أن هذه المراكز المالية القوية، المدعومة بحجم الاستثمارات في صندوق الثروة السيادي (جهاز قطر للاستثمار) والصناديق الأخرى، توفر حاجزاً قوياً ضد التأثيرات السلبية المحتملة.
تأتي هذه التقييمات في ظل ظروف إقليمية متقلبة، حيث أدت الحرب الأخيرة التي اندلعت قبل شهرين إلى تعطيل كبير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وإمدادات الغاز الطبيعي المسال. وقد واجهت قطاع الطاقة في قطر تحديات مباشرة نتيجة لهذه الاضطرابات، مما استدعى إجراءات استثنائية لضمان استمرارية الإمدادات وتقليل الأضرار الاقتصادية.
«ستاندرد آند بورز»: الأصول القطرية تدعم الاقتصاد في مواجهة الأزمات
أفادت وكالة «ستاندرد آند بورز» بأن التصنيفات السيادية لقطر لا تزال مستقرة ومدعومة بقوة من قبل الأصول المالية والخارجية الكبيرة المتراكمة لديها. وأوضحت الوكالة في تقريرها أن هذه الأصول، التي تشمل استثمارات جهاز قطر للاستثمار وصناديق سيادية أخرى، تعمل كدرع واقٍ للاقتصاد الوطني ضد أي هزات أو تأثيرات سلبية قد تنجم عن التوترات الإقليمية المتصاعدة، بما في ذلك تداعيات الحرب الجارية في المنطقة.
وتشير الوكالة إلى أن الصراع المستمر، على الرغم من تأثيره الحالي على إنتاج الغاز، لا يمس بالأساسيات القوية للاقتصاد القطري، وهي أساسيات تعتمد بشكل كبير على إدارة حكيمة للأصول والاستثمارات الخارجية. هذا الدعم المالي الكبير يمنح قطر مرونة وقدرة على استيعاب الصدمات الاقتصادية وتجاوزها بفعالية، مما يعزز استقرارها المالي على المدى الطويل.
تداعيات الحرب على إنتاج الغاز الطبيعي المسال
تسببت الحرب الأخيرة في المنطقة، والتي بدأت قبل حوالي شهرين، في إحداث اضطرابات واسعة النطاق في حركة الشحن عبر مضيق هرمز. وقد أثر هذا التعطيل بشكل مباشر على قطاع الطاقة، حيث أعلنت قطر في مارس الماضي حالة «القوة القاهرة» عن جزء من إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال. جاء هذا الإعلان بعد هجمات طالت البنية التحتية الحيوية في مجمع رأس لفان الضخم للغاز الطبيعي المسال، مما أدى إلى تعطيل ما يقرب من 17% من القدرة الإنتاجية لقطر.
وفقاً لتقديرات وكالة «ستاندرد آند بورز»، قد تستغرق عمليات الإصلاح وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة ما يصل إلى خمس سنوات. هذا النقص في الإنتاج، حتى وإن كان مؤقتاً، يلقي بظلاله على التوقعات الاقتصادية للعام الحالي، حيث أشارت الوكالة إلى توقع انكماش في اقتصاد قطر لعام 2026، مع استمرار مستويات إنتاج الغاز الطبيعي المسال أقل بكثير من مستوياتها التي كانت عليها قبل اندلاع الحرب. وتتوقع الوكالة أيضاً تأثراً ملموساً للقطاعات غير الهيدروكربونية، مثل التجارة، والتصنيع، والضيافة، نتيجة للتداعيات الاقتصادية المتشعبة للحرب.
توقعات النمو الاقتصادي وآفاق الاستقرار
وكان صندوق النقد الدولي قد أشار في تقرير سابق إلى أن قطر تعد ضمن اقتصادات الخليج التي يُتوقع أن تشهد انكماشاً في العام الجاري. هذا التقييم يتوافق مع التحليلات التي أجرتها وكالات التصنيف الدولية، والتي تضع في اعتبارها التحديات الحالية التي تواجه قطاعات الطاقة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها. ومع ذلك، فقد أبقت «ستاندرد آند بورز» على النظرة المستقبلية لقطر عند مستوى «مستقرة»، وهو ما يشير إلى ثقة الوكالة في قدرة البلاد على تجاوز هذه الصعوبات.
وترى الوكالة أن هناك احتمالاً قوياً لاستقرار الأوضاع في المنطقة تدريجياً خلال النصف الثاني من عام 2026، مع استئناف تدفقات التجارة عبر مضيق هرمز. هذا التحسن المتوقع في البيئة الجيوسياسية سيساهم في تخفيف الضغوط الاقتصادية ويدعم استئناف النمو. يتوقف مدى التحسن على تطورات الصراع الإقليمي وديناميكيات استعادة تدفقات الطاقة والملاحة التجارية إلى طبيعتها، وهو ما ستراقبه الوكالات الاقتصادية عن كثب خلال الفترة المقبلة.
