ارتفعت ضغوط تكاليف المصانع البريطانية بشكل حاد في مارس الماضي، مسجلة أعلى مستوى لتأخيرات التسليم منذ منتصف عام 2022. ويعود هذا الارتفاع بشكل أساسي إلى تجنب السفن عبور مضيق هرمز، مما يسلط الضوء على التأثير المتزايد للصراعات الإقليمية على سلاسل التوريد العالمية والاقتصاد البريطاني.
أظهر مسح حديث انخفاض النسخة النهائية من مؤشر مديري المشتريات التصنيعي البريطاني لشهر مارس إلى 51.0، متراجعاً عن التقديرات الأولية وأقل من مستواه في فبراير. كما انكمش مؤشر الإنتاج لأول مرة منذ سبتمبر، مع تباطؤ نمو الطلبات الجديدة، مما يشير إلى تحديات متزايدة تواجه القطاع الصناعي.
تأثير اضطرابات مضيق هرمز على الصناعة البريطانية
شهدت تكاليف مدخلات التصنيع في بريطانيا أسرع ارتفاع لها منذ أكتوبر 2022. ويعكس هذا الارتفاع الكبير، الذي يعد الأكبر شهرياً منذ عام 1992، عوامل متعددة أبرزها ارتفاع أسعار النفط والغاز، بالإضافة إلى التكاليف المتزايدة لعمليات النقل. وتعتبر اضطرابات مضيق هرمز، الذي يمر عبره قسم كبير من الشحنات العالمية، سبباً رئيسياً في تفاقم هذه التكاليف.
نتيجة لهذه الضغوط المتزايدة، لجأ المصنعون البريطانيون إلى تمرير جزء من هذه التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين، مما أدى إلى تسجيل أسعار المنتجات الصناعية أعلى ارتفاع لها منذ حوالي عام. ويشير هذا الاتجاه إلى احتمالية استمرار الضغوط التضخمية على الاقتصاد.
وأوضح خبراء السوق أن الحرب في الشرق الأوسط والمخاوف المرتبطة بالسياسات الاقتصادية المحلية أدت إلى انخفاض في الإنتاج الصناعي. وأشاروا إلى أن تراجع الطلبات الجديدة، على الرغم من كونه مدعاة للقلق، يعكس في الوقت الحالي مشاكل في جانب العرض أكثر من كونه انخفاضاً جوهرياً في الطلب، مع التأكيد على أن الطلب سيتأثر بشكل فعلي في حال استمرار الاضطرابات الإقليمية.
وتزامناً مع هذه التطورات، بلغت حالات تأخير التسليم أسرع وتيرة لها منذ يوليو 2022. جاء هذا نتيجة لتغيير السفن مساراتها لتجنب مضيق هرمز، الذي شهدت المنطقة المحيطة به تصاعداً في التوترات الأمنية، خاصة بعد الهجمات الأخيرة التي ألقت بظلالها على حركة الملاحة البحرية.
تداعيات على السياسة النقدية لبنك إنجلترا
تضع هذه البيانات المتزايدة التحديات أمام بنك إنجلترا، الذي يسعى جاهدًا لاحتواء التضخم المرتفع. وبينما يتوقع المستثمرون رفع أسعار الفائدة مرتين أو ثلاث مرات هذا العام، يرى العديد من الاقتصاديين أن البنك قد يفضل التريث. يأتي هذا التريث في ظل وتيرة النمو الاقتصادي الضعيفة أصلاً، والتي قد تسهم في تقليل مخاطر التضخم، بالإضافة إلى الحاجة لفهم التأثير الكامل للصراعات الإقليمية على الاقتصاد البريطاني.
وعلى صعيد أوسع، انخفض مؤشر مديري المشتريات التصنيعي للتوظيف للشهر السابع عشر على التوالي، وبوتيرة أسرع في سبعة أشهر. كما سجل مؤشر تفاؤل الشركات بشأن العام المقبل أدنى مستوياته في ستة أشهر، مما يعكس حالة من عدم اليقين تسود القطاع الصناعي.
تراجع عوائد السندات الحكومية وسط تغير التوقعات
على صعيد متصل، شهدت عوائد السندات الحكومية البريطانية انخفاضاً حاداً، متأثرة بتوقعات المستثمرين بتراجع الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة من قبل بنك إنجلترا. جاء هذا الانخفاض الواضح بعد تصريحات أشارت إلى احتمال قرب انتهاء التصعيد في الشرق الأوسط.
وقد كان تراجع تكاليف الاقتراض في المملكة المتحدة أكبر من نظيراتها في أوروبا والولايات المتحدة. انخفضت عوائد السندات لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، بشكل ملحوظ، مسجلة أدنى مستوى لها منذ أسبوعين. كما هوت عوائد السندات لأجل خمس سنوات إلى أدنى مستوى لها منذ منتصف مارس، قبل أن تشهد بعض الارتفاع الطفيف.
وشهدت السندات طويلة الأجل أيضاً انخفاضاً، حيث لامست عوائد السندات لأجل عشر سنوات أدنى مستوى لها منذ منتصف مارس. وتأثر هذا التراجع جزئياً بانعكاس أسعار النفط، الذي يساعد على التخفيف من توقعات ارتفاع التضخم وبالتالي تقليل الضغط على بنك إنجلترا لرفع أسعار الفائدة بشكل كبير.
ويُعتبر المستثمرون بريطانيا أكثر عرضة لصدمات أسعار الطاقة مقارنة ببعض الدول الأوروبية، وذلك لعدة أسباب منها ضعف المالية العامة التي قد تواجه ضغوطاً إضافية إذا لزم الأمر تقديم دعم للحكومة للأسر. حالياً، تعكس أسعار العقود الآجلة لأسعار الفائدة احتمال زيادة واحدة في سعر الفائدة المصرفية لبنك إنجلترا بحلول نهاية عام 2026، مع احتمال قائم لزيادة ثانية، وهو ما يمثل تعديلاً عن توقعات سابقة بزيادات أكبر.
تظل التطورات المستقبلية للصراع في الشرق الأوسط، وتأثيرها على أسعار الطاقة، بالإضافة إلى البيانات الاقتصادية المحلية، عوامل رئيسية ستحدد مسار السياسة النقدية لبنك إنجلترا والقطاع الصناعي البريطاني في الفترة القادمة. وسيكون من المهم مراقبة تقارير التضخم والنشاط الاقتصادي لتقييم مدى فعالية التدابير المتخذة.
