يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد على البحث العلمي، متجاوزًا دوره التقليدي كأداة مساعدة ليصبح شريكًا محتملاً في صياغة المعرفة واكتشافها. وفقًا لمقابلة حديثة أجرتها المدرسة الاتحادية السويسرية للتكنولوجيا في لوزان (EPFL)، يتوقع الباحثون أن نشهد خلال السنوات الخمس المقبلة أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على اقتراح فرضيات علمية والمشاركة في توجيه مسار البحث، مما يثير تساؤلات حول مستقبل دور العلماء وطبيعة المعرفة العلمية نفسها.
جاءت هذه التوقعات في حوار بين روبرت ويست، رئيس مختبر علوم البيانات في EPFL، وأغنيس هورفات، الأستاذة المشاركة في علوم الاتصال وعلوم الحاسوب بجامعة نورث وسترن الأمريكية. ناقش الطرفان التحولات السريعة في إنتاج ونشر المعرفة العلمية، والدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في هذا السياق، مع التركيز على التحديات والفرص التي تطرحها هذه التطورات.
الذكاء الاصطناعي وتحول التواصل العلمي
أدى انتشار المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي إلى تغيير جذري في طريقة وصول العلماء إلى المعلومات وتبادلها مع الجمهور. ومع ذلك، تشير هورفات إلى أن هذا التحول قد عرّض المعرفة العلمية لمشكلات مماثلة لتلك التي تواجه المعلومات العامة، مثل التبسيط المفرط، والعناوين المثيرة، وسوء الفهم، وحتى التضليل.
في السابق، كان للنشاط العلمي على وسائل التواصل الاجتماعي تأثير إيجابي على عدد الاستشهادات الأكاديمية. ومع ذلك، مع تسارع دورة المحتوى وتوجهه نحو الصيغ المختصرة، تراجع هذا التأثير، مما أدى إلى فقدان الكثير من السياق والدقة العلمية. هذا التحول يؤثر على كيفية تقييم البحث العلمي من قبل المجتمع.
الكتابة العلمية الآلية وتحدياتها
أحد الجوانب المثيرة للقلق هو الاستخدام المتزايد لنماذج اللغة الكبيرة في صياغة النصوص العلمية. أظهرت تحليلات أجراها ويست وهورفات أن حوالي 13% من الملخصات في بعض الأبحاث الطبية الحيوية تحمل أنماطًا لغوية تشير إلى تدخل أدوات الذكاء الاصطناعي في كتابتها أو تحريرها. كما لوحظت مؤشرات مماثلة في مراجعات الأوراق العلمية في مؤتمرات متخصصة في تعلم الآلة.
يحذر ويست من أن هذه النماذج تميل إلى إنتاج لغة واثقة ومباشرة، مما قد يعطي انطباعًا زائفًا باليقين في المجالات العلمية التي تتطلب الحذر والشك. بالإضافة إلى ذلك، يخشى الباحثان من أن الاعتماد الواسع على هذه الأدوات قد يؤدي إلى توحيد الأسلوب العلمي وتقليل تنوع طرق التفكير والتعبير، مما يؤثر على الابتكار العلمي.
من المساعدة إلى توليد الفرضيات: مستقبل البحث العلمي
التحول الأعمق، وفقًا للمقابلة، قد يكون في انتقال الذكاء الاصطناعي من دعم البحث إلى المشاركة في صياغته. ترى هورفات أن التطور السريع في قدرات النماذج الذكية يجعل من الممكن، خلال سنوات قليلة، أن تقترح هذه الأنظمة فرضيات علمية وتحدد أسئلة بحثية جديدة. لكن هذا الاحتمال يثير تساؤلات جوهرية حول معايير الأهمية والأولوية في البحث العلمي.
يشير ويست إلى أن الخطر لا يكمن فقط في قدرة الذكاء الاصطناعي على اقتراح أفكار، بل في توافق هذه الأفكار مع القيم الإنسانية والاحتياجات المجتمعية. فإذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توجيه مسار البحث، فقد يتحول دور العلماء إلى مقيّمين ومنقحين لمخرجات أنظمة ذكية، مما يطرح تحديات جديدة تتعلق بالشفافية والمسؤولية.
هذا التطور يثير نقاشًا حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، وكيفية ضمان أن تظل الأهداف العلمية متوافقة مع القيم الإنسانية.
الثقة والمعرفة في عصر الخوارزميات
يتزامن هذا التحول مع أزمة أوسع تتعلق بالثقة في المعرفة العلمية. مع الانتشار الواسع للمحتوى العلمي عبر منصات غير منظمة بشكل كافٍ، قد تساهم أدوات الذكاء الاصطناعي في تضخيم المعلومات المضللة أو غير الدقيقة. كما يرى الباحثان أن الذكاء الاصطناعي لا يتعامل مع عدم اليقين بالطريقة التي يفعلها العلماء، مما قد يؤثر على فهم الجمهور لطبيعة العلم.
التعاون بين الإنسان والآلة: الطريق إلى الأمام
على الرغم من هذه المخاوف، لا يتبنى باحثو EPFL رؤية تشاؤمية مطلقة. يرى ويست أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم في تحسين جودة التواصل العلمي، خاصة في الحالات التي يواجه فيها الباحثون صعوبات في الصياغة أو إيصال الأفكار. وقد يعمل الذكاء الاصطناعي كأداة داعمة تُحسن الوضوح دون إلغاء الدور البشري.
في الختام، مستقبل العلم لن يكون صراعًا بين الإنسان والآلة، بل اختبارًا لقدرتنا على بناء نموذج “ذكاء تعاوني” يوازن بين قوة الخوارزميات وحدس البشر وقيمهم. من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة المزيد من الدراسات حول تأثير الذكاء الاصطناعي على البحث العلمي، مع التركيز على تطوير إرشادات أخلاقية وضمان الشفافية والمسؤولية في استخدام هذه التقنيات. يجب مراقبة التطورات في نماذج اللغة الكبيرة وتأثيرها على جودة وموثوقية الأبحاث العلمية المنشورة.
