كشف خبراء في مجال الصحة النفسية أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالأمراض النفسية لا تزال تشكل عائقاً كبيراً أمام طلب العلاج، حيث يلجأ العديد من المرضى إلى زيارة العيادات سراً أو يمتنعون عن العلاج تماماً خوفاً من نظرة المجتمع لهم. هذه الظاهرة تؤثر سلباً على الصحة العامة للمجتمع وتعيق جهود الوقاية والعلاج المبكر.
وأشار الأخصائيون إلى أن الخوف من الحكم الاجتماعي، والقلق بشأن الخصوصية، والتحديات المتعلقة بالوصول إلى الخدمات، والتغطية التأمينية المحدودة، كلها عوامل تساهم في تأخير أو منع الأفراد من الحصول على الدعم النفسي الذي يحتاجونه. وتأتي هذه التحديات في وقت يزداد فيه الوعي بأهمية الصحة النفسية على مستوى العالم.
الوصمة الاجتماعية والصحة النفسية: تحديات مستمرة
أكد الدكتور رياض خضير، استشاري الطب النفسي، أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية متجذرة في المجتمع، وترجع إلى مفاهيم خاطئة قديمة تعتبر زيارة الطبيب النفسي دليلاً على الضعف أو الجنون. وأضاف أن قلة الوعي الصحي والخوف من كلام الناس يلعبان دوراً كبيراً في استمرار هذه النظرة السلبية.
وأضاف الدكتور خضير أن العديد من الأشخاص يشعرون بالخجل من الاعتراف بأنهم بحاجة إلى دعم نفسي، لأنهم تربوا على فكرة أن الشخص القوي لا يشتكي ولا يطلب المساعدة. وهذا يؤدي إلى إنكار المشكلة وتأجيل العلاج، مما قد يزيد الحالة سوءاً.
أسباب رئيسية لعدم طلب العلاج
وفقاً للدكتورة رنا أبونكد، أخصائية نفسية، هناك أربعة أسباب رئيسية تشكل عوائق أمام طلب العلاج: الخوف على الوظيفة أو المسار الدراسي، والقلق من سرية المعلومات وخصوصية الملفات الطبية، ونقص أعداد الاختصاصيين النفسيين وطول قوائم الانتظار، ومحدودية التغطية التأمينية الصحية.
وأوضحت الدكتورة أبونكد أن الخوف من أن يعرف الآخرون أن الشخص يتلقى علاجاً نفسياً يمكن أن يؤثر على سمعته وعمله وعلاقاته الاجتماعية. وهذا الخوف قد يكون أقوى من المعاناة نفسها، مما يدفع البعض إلى الاستمرار في الألم بدلاً من مواجهة الحكم الاجتماعي.
بالإضافة إلى ذلك، تشير الدراسات إلى أن نقص عدد الأطباء النفسيين وطول قوائم الانتظار يشكلان تحدياً كبيراً أمام الحصول على العلاج في الوقت المناسب. كما أن محدودية التغطية التأمينية الصحية تجعل العلاج النفسي مكلفاً وغير متاح للكثيرين.
الخجل الداخلي وتأثيره على طلب المساعدة
أشارت الدكتورة أبونكد إلى أن الوصمة غالباً ما تكون داخلية قبل أن تكون اجتماعية، حيث ينشأ الفرد وهو يتعلم أن المعاناة النفسية تعني الضعف أو الفشل. وهذا يؤدي إلى تبني هذه الرسائل وتوجيهها إلى الذات، مما يجعل الاعتراف بالحاجة إلى دعم نفسي أمراً صعباً.
وأضافت أن الخوف من حكم الآخرين ونظرة الأسرة يلعب دوراً كبيراً في إنكار المشكلة أو تأجيل العلاج. وكثير من الناس لا يخشون المرض النفسي بحد ذاته، بل يخشون ما قد يرمز إليه في نظر محيطهم.
وتؤكد الدكتورة حصة الرئيس، أخصائية نفسية، على أهمية التثقيف النفسي والحوار المجتمعي لتصحيح المفاهيم الخاطئة وترسيخ فكرة أن الاهتمام بالصحة النفسية لا يختلف عن الاهتمام بالصحة الجسدية. وأشارت إلى أن لغة الناس اليومية عند ذكر مصطلح “طبيب نفسي” تكشف عن عمق الوصمة المرتبطة به.
نظرة الأسرة والتغيرات في الوعي
أشار الدكتور خضير إلى أن نظرة الأهل تختلف غالباً بين جيل الآباء والأبناء، حيث يكون الجيل الأكبر أكثر تحفظاً، في حين أن الشباب أكثر وعياً وتقبلاً. وهذا الاختلاف قد يضع المريض تحت ضغط، خصوصاً إذا لم يجد دعماً من أسرته.
ومع ذلك، لاحظ الدكتور خضير أن هناك ارتفاعاً في مستوى الوعي بالصحة النفسية بين جميع الأجيال، نتيجة للانفتاح الإعلامي والتجارب الشخصية والعائلية. وهذا يشير إلى أن هناك تغيراً إيجابياً في المجتمع، ولكن لا يزال هناك الكثير الذي يجب القيام به.
وفيما يتعلق بالتحديات الخدمية، أكدت الدكتورة الرئيس على أهمية إدراج الصحة النفسية في المناهج الدراسية وتوفير خدمات دعم نفسي في المؤسسات التعليمية والمهنية. كما دعت إلى زيادة التغطية التأمينية للعلاج النفسي وتسهيل الوصول إلى الخدمات.
من المتوقع أن تواصل وزارة الصحة جهودها لزيادة الوعي بالصحة النفسية وتوسيع نطاق الخدمات المتاحة. وسيتم التركيز على تدريب المزيد من الأطباء النفسيين وتوفير الدعم اللازم للمرضى وأسرهم. ومن المقرر أن يتم إطلاق حملة توعية وطنية في الأشهر القادمة لكسر حاجز الصمت وتشجيع الناس على طلب المساعدة عند الحاجة. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الاستثمار والتعاون بين القطاعين العام والخاص لتحقيق تقدم حقيقي في مجال الصحة النفسية.
