تثير اتفاقية تجارية حديثة بين الهند والولايات المتحدة مخاوف متزايدة في الهند بشأن احتمال غزو المنتجات الأمريكية للسوق المحلية. أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بداية فبراير عن اتفاق يهدف إلى تعزيز التجارة بين البلدين، لكن التفاصيل لا تزال غامضة، مما أثار شكوكًا واسعة النطاق بين الخبراء الاقتصاديين حول جدوى الاتفاق وتأثيره المحتمل على الاقتصاد الهندي.
على الرغم من مرور أسبوعين على الإعلان، لا يزال الغموض يكتنف تفاصيل الاتفاقية. وقد واجهت انتقادات حادة، وصلت إلى حد وصفها بأنها استسلام للضغط الأمريكي، وأنها قد تعرض مصالح الهند للخطر. وكشف ترامب أن الهند ستلغي بموجب الاتفاق الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية، وهو ما أثار قلقًا بالغًا لدى العديد من القطاعات الهندية.
مخاوف من غزو المنتجات الأمريكية للسوق الهندية
جاء الإعلان عن الاتفاق بعد فرض الولايات المتحدة رسومًا جمركية مشددة بنسبة 50٪ على بعض البضائع الهندية ردًا على استيراد نيودلهي للنفط الروسي. وقد شكلت هذه الرسوم ضربة قوية للصادرات الهندية، ولا تزال آثارها السلبية تنعكس على اقتصاد البلاد، التي يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة.
تخشى النقابات الزراعية الهندية، ذات النفوذ القوي، من أن يؤدي الاتفاق إلى تدفق المنتجات الأمريكية إلى السوق المحلية، مما يضر بالقطاع الزراعي الذي يوظف أكثر من 700 مليون شخص. ويرى المحللون أن الاتفاق قد يتضمن تعديلات على بعض البنود المتفق عليها، نظرًا للطبيعة المتقلبة للرئيس الأمريكي.
وقال الخبير التجاري أبهيجيت داس: “في عهد ترامب، لا شيء مؤكد”. وأضاف أنه حتى في حال تم توقيع الاتفاق في غضون أسابيع قليلة، فإنه قد لا يصمد طويلًا، حيث قد يقرر ترامب زيادة الرسوم الجمركية في أي وقت.
التحديات الرئيسية في الاتفاق التجاري
أحد البنود الأكثر إثارة للجدل في الاتفاق هو التزام الهند بشراء بضائع أمريكية بقيمة 500 مليار دولار خلال خمس سنوات. ويعتبر هذا الرقم طموحًا للغاية، حيث استوردت الهند بضائع أمريكية بقيمة 45 مليار دولار فقط خلال السنة المالية الأخيرة.
ويرى أجاي سريفاستافا من مركز “غلوبال ترايد ريسيرتش إينيشاتيف” للدراسات أن مضاعفة قيمة الواردات السنوية أمر “غير واقعي”. وأشار إلى أن شراء الطائرات قد يشكل جزءًا كبيرًا من هذا الالتزام، لكن حتى مع زيادة الطلبيات لدى شركة بوينغ الأمريكية، لن يكون ذلك كافيًا، خاصة وأن قرار الشراء يعود لشركات الطيران الخاصة.
ومع ذلك، يحرص الخبراء على الطمأنة، مؤكدين أن هذا البند ليس ملزمًا، مما يحمي نيودلهي في حال لم تتمكن من تحقيق الهدف. وقال شيفان تاندون من “كابيتال إيكونوميكس” إن اعتبار هذا الهدف بمثابة “نوايا” وليس التزامًا، يحد من مخاطر فشل الاتفاق لاحقًا.
كما أثيرت مخاوف بشأن احتمال خفض الرسوم الجمركية الأمريكية على المنتجات الهندية من 25٪ إلى 18٪ مقابل تعهد الهند بالتوقف عن شراء النفط الروسي. ولم تعلق الحكومة الهندية على هذا البند، سواء بالنفي أو التأكيد.
النفط الروسي: نقطة خلاف محتملة
تؤكد نيودلهي أن سياستها في مجال الطاقة مبنية على المصلحة الوطنية، وأنها تعتمد على مصادر متعددة لتأمين إمداداتها من النفط الخام. وقد تراجعت واردات الهند من النفط الروسي من أكثر من مليوني برميل في اليوم في منتصف عام 2025 إلى حوالي 1.1 مليون برميل في يناير.
وتفيد التقارير الإعلامية الهندية بأن مصافي التكرير العامة باشرت شراء النفط الفنزويلي في أبريل. ومع ذلك، من غير المرجح أن تتوقف الهند بشكل كامل عن استيراد النفط الروسي. ويتوقف الأمر إلى حد كبير على شركة “نيارا إنرجي ليميتد” النفطية، المملوكة جزئيًا لشركة روسنفت الروسية.
وتشير وكالة بلومبيرغ إلى أن الشركة الهندية تعتزم مواصلة شراء حوالي 400 ألف برميل يوميًا من النفط الروسي. ومن المرجح أن يظل النفط نقطة خلاف رئيسية بين الهند والولايات المتحدة. ويرى دارين تاي، المحلل في مكتب “بي إم آي” للدراسات، أن نيودلهي لا تزال تتجنب التأكيد علنًا على وقف كامل لاستيراد النفط الروسي، وتبرر إمدادات الطاقة بالسعر والتوافر، مما يشير إلى استمرار الالتباس حول ملف النفط.
وأضاف تاي أن هناك مؤشرات طفيفة على أن شركات التكرير الهندية بدأت بتقليص مشترياتها الفورية من النفط الروسي، مما يوحي بتعديل جزئي بدل التزام رسمي في السياسة التجارية الهندية.
بشكل عام، يظل الاتفاق التجاري بين الهند والولايات المتحدة “هشًا للغاية وموضع جدل سياسي”، مما يجعل من الصعب التنبؤ بتأثيره على النمو الاقتصادي في الهند. ومن المتوقع أن تشهد الأيام والأسابيع القادمة المزيد من المفاوضات والتوضيحات حول تفاصيل الاتفاق، مع التركيز بشكل خاص على قضية النفط الروسي والالتزام بشراء البضائع الأمريكية. وستراقب الأسواق عن كثب التطورات، وتقييم المخاطر والفرص المحتملة التي قد تنشأ عن هذا الاتفاق.
