لم يعد الذكاء الاصطناعي في العمل المصرفي مجرد إضافة تكنولوجية، بل أصبح عنصراً محورياً في إعادة تشكيل القطاع. يشهد القطاع المصرفي تحولاً جذرياً من استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة إلى اعتباره بنية أساسية، حيث تتخذ الأنظمة الآلية قرارات مالية حساسة، وتُقاس الثقة رقمياً، وتُبنى العمليات المصرفية على أساس البيانات والخوارزميات. السؤال الآن ليس حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير العمل المصرفي، بل عن مدى استعداد البنوك لتحمل تكاليف هذا التحول وتعقيداته المتزايدة.

تشير تقديرات حديثة إلى نمو الإنفاق على البرمجيات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 13.9% ليصل إلى 20.4 مليار دولار بحلول عام 2026، مدفوعاً بالتبني المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. وعلى الصعيد العالمي، تتوقع شركة غارتنر أن يوجه 75% من الإنفاق على البرمجيات بحلول عام 2028 نحو حلول تتضمن قدرات الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي. هذه الأرقام تعكس تحولاً هيكلياً واسع النطاق يؤثر بشكل كبير على القطاع المصرفي.

الذكاء الاصطناعي في العمل المصرفي: الثقة تتحول إلى معيار أداء

مع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي في تقييم الجدارة الائتمانية، واكتشاف الاحتيال، وخدمة العملاء، أصبحت الأنظمة أكثر سرعة ودقة، ولكنها أيضاً أقل شفافية. يكمن التحدي الأكبر في كيفية إدارة البنوك لإبراز القرارات التي تتخذها الخوارزميات في أجزاء من الثانية، وضمان فهم العملاء لهذه القرارات.

يرى خبراء الصناعة أن عام 2026 يمثل نقطة تحول في هذا الجانب. لم تعد الثقة مجرد وعد ضمني، بل أصبحت معيار أداء قابلاً للقياس. يجب على البنوك الانتقال من الذكاء القائم على النماذج إلى الذكاء القائم على الأدلة، حيث يصبح كل قرار قابلاً للتفسير والتحقق. هذا التحول يعكس تغيراً في مفهوم الذكاء نفسه، فالتنبؤ لا قيمة له إذا لم يكن قابلاً للإثبات.

صعود الذكاء الاصطناعي الوكيل والأنظمة شبه المستقلة يعيد تشكيل العمليات المصرفية لكنه يولد مخاطر جديدة تتعلق بالاحتيال والتجارة الآلية (شاترستوك)

الذكاء الاصطناعي الوكيل في قلب العمليات المصرفية

أحد أبرز ملامح المرحلة المقبلة هو الانتقال من أدوات التحليل إلى أنظمة شبه مستقلة، أو ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي الوكيل. هذه الأنظمة لا تكتفي بتقديم التوصيات، بل تدير عمليات كاملة، بدءاً من معالجة طلبات العملاء، وتنظيم سير العمل، وصولاً إلى اتخاذ القرارات التشغيلية. التحول الرقمي يزداد سرعة بفضل هذه التقنيات.

تشير بيانات شركة الأبحاث الدولية (IDC) إلى أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في قطاع الخدمات المالية سيتجاوز 67 مليار دولار بحلول عام 2028، مع تركيز متزايد على التطبيقات الإنتاجية المرتبطة بالقرارات والعمليات. البنوك التي ستحقق ميزة تنافسية هي تلك التي تحول الذكاء الاصطناعي إلى بنية صناعية، حيث تصبح الحوكمة جزءاً من القيمة، وليست مجرد عبء تنظيمي.

التجارة الآلية ومخاطر “الشراء غير المقصود”

مع توسع الأنظمة الذاتية، تواجه البنوك سيناريوهات جديدة لم تكن في الحسبان، مثل النزاعات الناتجة عن عمليات شراء نفذتها أنظمة ذكية دون إدراك كامل من المستخدم. هذه الظاهرة تفتح باباً جديداً لمخاطر الاحتيال. يجب على البنوك التحقق ليس فقط من هوية الأفراد، بل من هوية الأنظمة الذكية نفسها. أطر مثل الرموز المميزة للأنظمة والتوقيعات السلوكية ستصبح ضرورية لحماية العملاء ومنع إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي.

تلوث البيانات وظهور “الخزائن الرقمية”

تواجه البنوك أزمة جديدة تتعلق بسلامة البيانات. البيانات الاصطناعية، على الرغم من فائدتها في تدريب النماذج، قد تتسلل إلى قواعد البيانات الأساسية، وتدخل تحيزات يصعب اكتشافها. بدأت بعض البنوك بإنشاء “خزائن بيانات” رقمية محمية تفرض ضوابط صارمة على تفاعل النماذج الذكية مع البيانات الحساسة. أمن البيانات أصبح أولوية قصوى.

تتحول الثقة من مفهوم افتراضي إلى معيار أداء قابل للقياس مع تزايد الحاجة إلى قرارات خوارزمية قابلة للتفسير والتحقق (شاترستوك)

الاحتيال العاطفي: تحدٍ جديد يواجه البنوك

من أخطر التحديات الناشئة ما يُعرف بالاحتيال العاطفي المدعوم بالذكاء الاصطناعي. المحتالون يستخدمون نماذج لغوية لمحاكاة التفاعل الإنساني على نطاق واسع. الحد الفاصل بين التواصل الحقيقي والإغواء المصطنع يتلاشى، ما يفرض على البنوك لعب دور “حاجز الحماية العاطفية” عبر تحليل السلوك والكشف المبكر عن أنماط الاستغلال. كما تشهد تقنيات مكافحة الجرائم المالية تحولاً جذرياً مع تراجع فعالية الأنظمة القائمة على القواعد.

في عام 2026، من المتوقع أن يدخل القطاع المصرفي مرحلة لا يمكن فيها الفصل بين الذكاء الاصطناعي والثقة والحوكمة. النجاح لن يكون لمن يملك النموذج الأقوى فقط، بل لمن يستطيع تحويل الذكاء إلى قرارات قابلة للتفسير، وبيانات موثوقة، وأنظمة تحمي العملاء بقدر ما تحمي الأرباح. ستكون المراقبة المستمرة للتطورات التنظيمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والاستثمار في تطوير مهارات الموظفين، أمراً بالغ الأهمية للبنوك التي تسعى للحفاظ على مكانتها في هذا المشهد المتغير.

شاركها.