رفضت المحكمة المدنية في دبي دعوى طعن طالب فيها مواطن بتعويض قدره ثلاثة ملايين و543 ألف درهم، بالإضافة إلى فائدة قانونية ورسوم، ضد شخصين بدعوى احتيال مالي. جاء هذا الحكم بعد مراجعة دقيقة لتفاصيل القضية، خاصة فيما يتعلق بالحكم الجزائي الصادر بحق المدعى عليهما.

ويتعلق النزاع بما ذكره المدعي حول تقديمه لمبالغ مالية لشخصين أوهمه بأنهما يمتلكان علاقات مباشرة مع عائلات محتاجة وجهات خيرية في دولة عربية. وقد استغل المدعى عليهما حسن نية المدعي، الذي أكد على طبيعته الخيرية وتبرعاته المستمرة، بادعاء استخدامهما للأموال في مساعدات إنسانية تشمل العلاج والسكن والدراسة وكفالة الأيتام.

حجية الأحكام الجزائية في الدعاوى المدنية

استندت المحكمة المدنية في قرارها إلى المبادئ القانونية المستقرة بشأن حجية الحكم الجزائي في الدعاوى المدنية. حيث أوضحت المحكمة أن الأحكام الجزائية الباتة بالبراءة أو الإدانة لها حجية تلزم المحاكم المدنية، وفقاً للمادة 269 من قانون الإجراءات الجزائية. وتتحدد هذه الحجية في نطاق الأمور التي فصل فيها الحكم الجزائي بشكل نهائي، مثل وقوع الجريمة، وصفها القانوني، ونسبتها إلى فاعلها.

كما أشارت المحكمة إلى المادة 88 من قانون الإثبات، التي تضع حدوداً لتقييد المحكمة المدنية بالحكم الجزائي، بحيث لا تلتزم به إلا في الوقائع التي فصل فيها الحكم بشكل ضروري، ولا تلتزم بحكم البراءة إلا إذا قام على نفي نسبة الواقعة إلى المتهم. وقد أكدت أحكام محكمة التمييز باستمرار على أن حجية الحكم الجزائي أمام القضاء المدني تتصل بالنظام العام، لمنع تضارب الأحكام وإعادة بحث المسائل ذاتها.

تفاصيل القضية الجزائية الأولية

كان الحكم الابتدائي في الدعوى الجزائية قد قضى بحبس المتهمين لمدة سنة، مع تغريمهما قيمة المبلغ المطالب به وإبعادهما عن الدولة. وقد استند المدعي في دعواه المدنية إلى هذا الحكم، معتبراً أن الأفعال التي ارتكبها المدعى عليهما تسببت له بأضرار نفسية ومادية جسيمة.

لكن مسار القضية الجزائية شهد تطورات لاحقة. فقد استجاب القضاء لطلب المدعى عليه الأول بوقف النظر في الدعوى المدنية مؤقتاً، وذلك لحين النظر في طعنه على الحكم الجزائي الابتدائي أمام محكمة الاستئناف. وشهدت هذه المرحلة تحولاً جذرياً؛ إذ ألغت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي، وبراءة المتهم مما أسند إليه.

أسباب حكم البراءة في الاستئناف

استعرضت المحكمة المدنية حيثيات حكم الاستئناف الجزائي الذي أدى إلى براءة المدعى عليه الأول. وأوضحت المحكمة أن الاتهام الجزائي كان يستند في الحكم الابتدائي إلى أقوال المجني عليه ونجله، بالإضافة إلى تقرير خبير استشاري. وفي المقابل، دفع المتهم بأنه تسلم الأموال بالفعل، إلا أنه قام بتسليمها كـ “مساعدات إنسانية” لجهات وأشخاص متعددين في تلك الدولة.

وقد أيد دفاع المتهم شاهد نفي اطمأنت إليه المحكمة. كما قدم المتهم إيصالات استلام موقعة من أشخاص أكدوا تلقيهم مساعدات إنسانية. وخلت أوراق الدعوى، بحسب الحكم الجزائي، من دليل قاطع يثبت عدم تسليم المتهم للمبالغ إلى مستحقيها، ولم يتم ضبط أي جزء من المبلغ محل الجريمة.

من جانب آخر، أشار الحكم الجزائي إلى أن تقرير الخبير الاستشاري الذي اعتمد عليه الحكم الابتدائي لم يكن كافياً، لأنه استند إلى مستندات قدمها المدعي نفسه، ولا يجوز للشخص اتخاذ عمله دليلاً يحتج به على غيره. وخلصت محكمة الاستئناف إلى أن الأدلة المتاحة لا ترقى إلى مستوى اليقين، وأن الاتهام لم تدعمه أدلة كافية، مما أدى إلى الحكم بالبراءة لشبهة عدم وقوع الفعل أو عدم كفاية الأدلة.

تأثير الحكم الجزائي على الدعوى المدنية

بناءً على ما تقدم، أكدت المحكمة المدنية أن حكم البراءة الجزائي، الذي استند إلى عدم كفاية الأدلة والتشكك في وقوع الفعل، اكتسب حجية أمامها. وهذا المنع، بحسب المحكمة، يحول دون معاودة بحث مسألة وقوع عملية الاحتيال أو نسبتها إلى المدعى عليه الأول، باعتبار أن هذه النقاط قد فصل فيها الحكم الجزائي بشكل نهائي وملزم.

وبالتالي، قضت المحكمة المدنية برفض الدعوى المدنية التي أقامها المواطن، وذلك لعدم وجود ما يثبت واقعة الاحتيال المدعى بها في ضوء الحكم الجزائي. ويتعين على المدعي الآن البحث عن مسار قانوني بديل، إذا كان يرى وجود أسس أخرى لدعواه، مع الأخذ في الاعتبار أن الحكم الجزائي النهائي أصبح يشكل عقبة رئيسية أمام إثبات المسؤولية المدنية في هذه الحالة.

لا يزال بإمكان المدعي الطعن على هذا الحكم المدني أمام جهات الاستئناف الأعلى، حيث سيتم النظر في مدى تطبيق حجية الحكم الجزائي في سياق الدعوى المدنية. وسيتوقف مسار القضية على قرار المحكمة الأعلى في استئناف الحكم المدني.

شاركها.