تحذيرات اجتماعية تكشف مخاطر استخدام المراهقين للهواتف الذكية، حيث يدفع البحث عن الانتقام أو الشهرة السريعة، والحصول على عدد كبير من الإعجابات والمتابعين، بعض الأحداث إلى تجاوز الحدود. وتشير الاختصاصية الاجتماعية عائشة الكندي، رئيسة قسم الأنشطة في جمعية توعية ورعاية الأحداث، إلى أن مقاطع الفيديو التي تُنشر في ثوانٍ قد تبقى متداولة لسنوات، مؤثرةً في مستقبلهم الدراسي أو المهني، وقد تنقلهم من شاشات هواتفهم إلى أروقة المحاكم.
وكشفت الكندي لـ”الإمارات اليوم” عن حالات تعكس خطورة المشهد الرقمي، حيث يلجأ مراهقون وأطفال إلى عمليات انتقامية إثر خلافات عابرة. ومن بين هذه الحالات، طفل فوجئ بصورة مركبة لوجهه على جسد مكشوف تم تداولها بين زملائه، ما أدخله في حالة خجل شديد أدت إلى رفضه الذهاب إلى المدرسة. وتبين لاحقاً أن الصورة أُنشئت باستخدام تطبيقات تزييف متاحة للجميع، وأن زميلاً له نشرها بعد خلاف بسيط بينهما.
مخاطر التنمر الرقمي والإدمان الإلكتروني
بالإضافة إلى العمليات الانتقامية المباشرة، أكدت الكندي أن التنمر لا يكون دائماً مباشراً، بل قد يتخذ شكلاً صامتاً عبر الاستبعاد المتعمد من المجموعات الدراسية، أو نشر تلميحات غير مباشرة، مما يؤدي إلى العزلة وانخفاض في المستوى الدراسي، حتى في غياب الإساءة اللفظية الواضحة. وأشارت إلى أن السلامة الرقمية أصبحت ضرورة تربوية لا خياراً، في ظل بيئة إلكترونية تتغير بوتيرة سريعة.
وشددت الكندي على أهمية متابعة استخدام الأبناء للأجهزة الذكية بصورة منظمة، ومعرفة التطبيقات والحسابات التي يتفاعلون معها، وتحديد أوقات واضحة للاستخدام لتحقيق التوازن بين العالمين الرقمي والواقعي. وأوضحت أن التنمر الرقمي قد يبدأ بتعليق ساخر ويتطور إلى حملات تشويه واسعة. كما أن الاستدراج الإلكتروني يعتمد على حسابات وهمية تستغل الاحتياج العاطفي أو الفضول الطبيعي للمراهقين، وتدفعهم تدريجياً إلى مشاركة معلومات أو صور خاصة.
ولفتت الانتباه إلى أن الابتزاز الإلكتروني أصبح أكثر تعقيداً، حيث قد يُبنى على معلومات بسيطة منشورة في حسابات عامة. وأكدت أن أي صورة أو معلومة يتم تداولها عبر الفضاء الرقمي قد تبقى قابلة للاسترجاع حتى بعد حذفها، مما يزيد من صعوبة التخلص من آثارها.
وفي سياق متصل، أوردت الكندي حالة مراهق أصبح يقضي ساعات طويلة في الحديث مع شخصية رقمية، وبدأ يفضلها على التواصل مع أسرته، ما انعكس سلباً على حضوره الأسري والدراسي. وأشارت إلى تنامي ظاهرة التعلق بروبوتات الدردشة والشخصيات الافتراضية، وما يترتب عليها من انعكاسات سلبية على العلاقات الاجتماعية الواقعية.
تحديات التحديات الرقمية والذكاء الاصطناعي
بيّنت الكندي أن مرحلة الحدث من أكثر المراحل حساسية، حيث يكون الأبناء أكثر عرضة للتأثر بالمحيط الخارجي، مما يتطلب حضوراً أسرياً واعياً يوازن بين الحزم والاحتواء والمتابعة. وقالت إن بعض التحديات المنتشرة عبر المنصات قد تتضمن إيذاء للنفس أو للآخرين، أو انتهاك لخصوصية أشخاص، أو اقتحام لأماكن خاصة، مما يعرض أصحابها للمساءلة القانونية.
وذكرت واقعة لمجموعة من المراهقين حاولوا تقليد تحدٍّ منتشر على إحدى المنصات، ما أسفر عن إصابة أحدهم بجروح استدعت تدخلاً طبياً. وأكدت أن بعض هذه السلوكيات قد تجر أصحابها إلى تبعات قانونية وخيمة.
ولفتت الانتباه إلى ظهور تحديات جديدة قائمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل تركيب الوجوه أو تقليد الأصوات بدقة عالية. هذا التقدم يمكن من إنتاج مقاطع مزيفة تبدو حقيقية تماماً، ويمكن استغلالها في التشهير أو الابتزاز، وهو ما يزيد من صعوبة التمييز بين الحقيقي والمفبرك، ويضع تحديات إضافية أمام الأفراد والأسر.
وشددت على أن مواجهة هذه التحديات لا تتحقق بالخوف أو المنع المطلق، بل ببناء وعي رقمي راسخ. يقوم هذا الوعي على تعليم الأبناء مهارات الحماية الذاتية، وضبط إعدادات الخصوصية، وعدم قبول طلبات الصداقة من مجهولين، والإبلاغ عن أي محتوى مسيء. كما أكدت على أهمية تعزيز الثقة بينهم وبين أسرهم لطلب الدعم دون تردد.
وصعدت الكندي من تحذيراتها بشأن حالات الابتزاز العاطفي، لافتة إلى حالة فتاة تعرفت إلى حساب يدعي أنه لشاب في مثل عمرها. واستمرت المحادثات بينهما لأشهر، قبل أن يطلب منها صورة خاصة “لتعزيز الثقة”، ثم بدأ بتهديدها إن لم تستجب لمطالبه.
دور الأسرة والمجتمع في حماية الأبناء
نبهت الكندي إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الجهاز بحد ذاته، بل في العالم الخفي الذي يتكوّن داخله، حيث تختلط الحقيقة بالمحتوى المفبرك، وتتداخل العلاقات الآمنة بغير الآمنة. داعيةً إلى ترسيخ مفهوم “التربية الرقمية” باعتبارها ممارسة يومية تبدأ من الحوار المفتوح وبناء الثقة وتعزيز الوعي، لا من المنع أو المصادرة.
وأوضحت أن تحصين الأبناء بالمعرفة والمسؤولية هو خط الحماية الأهم في فضاء رقمي سريع التغير. وأن الأسرة التي توازن بين الحزم والاحتواء تضع أبناءها على مسار أكثر أماناً واستقراراً. وتتطلب مواجهة هذه التحديات تضافر جهود الأسر والمؤسسات التعليمية والمجتمع ككل لضمان بيئة رقمية آمنة وداعمة للأحداث.
