أطلقت وزارة الصحة ووقاية المجتمع في دولة الإمارات العربية المتحدة مبادرة استراتيجية هامة لتعزيز وتطوير الخدمات الصحية في البلاد، وذلك عبر ورشة عمل متخصصة أعدت لبلورة “السياسة الوطنية لتعزيز الخدمات الذكية والذكاء الاصطناعي في المجال الصحي”. تهدف هذه السياسة إلى بناء إطار عمل وطني شامل يضمن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل منهجي ومؤسسي، مع التركيز على جودة البيانات، حماية خصوصيتها، وقياس أثرها الفعلي على المجتمع وتجربة المتعاملين، سعياً لرفع جاهزية المنظومة الصحية نحو تقديم خدمات أكثر دقة، فعالية، واستباقية. يشكل هذا التوجه خطوة رائدة نحو مستقبل الرعاية الصحية الرقمية في الإمارات.

وشهدت الورشة حضوراً رفيع المستوى ضم وزير الصحة ووقاية المجتمع، أحمد بن علي الصايغ، ووكيل الوزارة المساعد لقطاع الصحة العامة، الدكتور حسين الرند، بالإضافة إلى مديرة إدارة السياسات والتشريعات الصحية، الدكتورة لبنى الشعالي. كما شارك في فعاليات الورشة ممثلون عن جهات رئيسية في القطاع الصحي والتقني، بما في ذلك دائرة الصحة – أبوظبي، ومؤسسة الإمارات للخدمات الصحية، ومكتب الذكاء الاصطناعي في مجلس الوزراء، وهيئة الصحة بدبي، ودبي الصحية، وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، وجامعة عجمان، وجامعة زايد. إلى جانب ذلك، شاركت شركات تكنولوجية عالمية مثل ميكروسوفت، وديل، وهواوي، إلى جانب البروفيسور ريتشارد هوبز، مدير معهد أوكسفورد للصحة الرقمية، مما يعكس عمق التوجه وتعاون مختلف الجهات المعنية.

السياسة الوطنية لتعزيز الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي

تستند السياسة المقترحة إلى مجموعة من المحاور الأساسية التي تشكل العمود الفقري لتطبيقها الفعال. يتمثل المحور الأول في ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة وتعزيز القيادة في مجال التحول الرقمي الصحي. ويندرج تحت هذا الإطار ضرورة تعزيز الشراكات بين مختلف الجهات المعنية، سواء كانت حكومية أو خاصة، بالإضافة إلى تطوير آليات تكاملية لتبادل البيانات الصحية بشكل آمن وفعال. هذا التبادل للبيانات يعد عنصراً حيوياً لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتقديم رؤى دقيقة.

محور آخر مهم يتمثل في توسيع نطاق تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف جوانب الرعاية الصحية، من التشخيص المبكر إلى إدارة الأمراض المزمنة وتحسين تجربة المرضى. ويتطلب ذلك تطوير بنية تحتية رقمية قوية وقادرة على استيعاب وتطبيق هذه التقنيات المتطورة. كما تركز السياسة على تمكين الكوادر الصحية من خلال تزويدها بالمهارات والمعارف اللازمة للتعامل مع التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، مما يضمن الاستفادة الكاملة من هذه الأدوات.

أمن البيانات والأخلاقيات الرقمية

تولي السياسة الوطنية اهتماماً بالغاً لرفع مستوى الأمن السيبراني لحماية البيانات الصحية الحساسة من أي تهديدات محتملة. بالإضافة إلى ذلك، يتم اعتماد إطار أخلاقي واضح يضمن الشفافية في استخدام الذكاء الاصطناعي والمسؤولية عن القرارات المتخذة بناءً عليه. يشمل هذا الإطار مبادئ العدالة وعدم التمييز، لضمان وصول الجميع إلى فوائد هذه التقنيات.

وتشمل السياسة أيضاً تحفيز الابتكار والبحث العلمي في مجال الصحة الرقمية، وإنشاء نظم معلومات داعمة لمنظومة الصحة الذكية. ووفقاً للدكتورة لبنى الشعالي، مديرة إدارة السياسات والتشريعات الصحية، فقد شهدت الورشة مناقشات معمقة حول وضع خطة تنفيذية متعددة القطاعات لضمان تكامل الجهود الوطنية. تم تحديد أهداف ومؤشرات وطنية واضحة لقياس مدى التقدم المحرز، بالإضافة إلى آليات تقييم ومتابعة تضمن التحسين المستمر للجودة والكفاءة.

كما تناولت الورشة أهمية دمج مفهوم “الصحة الذكية” في السياسات الوطنية الشاملة، وتعزيز سبل التمويل المستدام لهذه المبادرات. وتشجع السياسة على تبني نماذج تمويل متكاملة، ودعم الاستثمار في الحلول المبتكرة والشركات الرقمية الناشئة في القطاع الصحي، بهدف خلق بيئة محفزة للنمو والتطور في هذا المجال الحيوي.

تتجه الأنظار الآن نحو الخطوات التالية في عملية إعداد وتنفيذ السياسة الوطنية لتعزيز الخدمات الذكية والذكاء الاصطناعي في المجال الصحي. من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة الانتهاء من صياغة الخطة التنفيذية التفصيلية، وتحديد الجهات المسؤولة عن كل محور، بالإضافة إلى وضع الجداول الزمنية للمراحل المختلفة. يظل التحدي الأكبر في تحقيق تكامل حقيقي بين القطاعات المختلفة وضمان توفير الموارد اللازمة لدعم هذا التحول الرقمي الطموح، والذي يحمل في طياته وعداً بمستقبل صحي أكثر تطوراً وكفاءة.

شاركها.