أيدت محكمة الاستئناف في دبي، مؤخراً، حكماً قضائياً بسجن خليجي ثلاثة أشهر وغرامة مالية تزيد عن 5.5 مليون درهم (ما يعادل 1.5 مليون دولار أمريكي)، وذلك بعد إدانته بالاحتيال على ثلاثة آسيويين بسلبهم مبالغ ضخمة. استدرج المتهم الضحايا عبر إعلانات على شبكات التواصل الاجتماعي ووعدهم بأرباح استثمارية خيالية من خلال بنك وهمي، قبل أن يستولي على أموالهم.

جاء الحكم القضائي بعد أن لجأ المجني عليهم إلى القضاء المدني للمطالبة بتعويضاتهم، إثر صدور حكم جزائي بات ضدهم. وقد قضت المحكمة المدنية الابتدائية بإلزام المتهم بسداد المبلغ الكامل الذي استولى عليه من المدعين، في قضية سلطت الضوء على تزايد جرائم الاحتيال المالي في المنطقة.

تفاصيل قضية احتيال “بنك وهمي” في دبي

تعود تفاصيل القضية المدنية المرفوعة إلى دعوى تقدم بها ثلاثة أشخاص، أفادوا فيها بأن المتهم، وهو مواطن لدولة عربية، قام باستدراجهم وتقديم عرض استثماري زائف. روج المتهم لكيان مصرفي واستثماري باسم “جامي بنك”، مدعياً أنه مؤسسة مالية مرموقة متخصصة في إدارة الاستثمارات وتحقيق عوائد سنوية مرتفعة. بناءً على هذه الادعاءات، أبرم المتهم معهم اتفاقات استثمارية، وتمكن من الاستيلاء منهم على مبالغ ضخمة، حيث حصل على 500 ألف دولار من كل شخص.

وفقاً لما ورد في أوراق الدعوى، لم يقتصر تكتيك المتهم على الإعلانات الترويجية عبر الإنترنت، بل تجاوز ذلك إلى إنشاء مقر فعلي مجهز لاستقبال ضحاياه. وقد قدم نفسه كـ”المدير التنفيذي والمؤسس” للمؤسسة المزعومة. عرض عليهم فرصاً استثمارية بدت احترافية وجذابة على السطح، مع وعود واضحة بتحقيق أرباح سنوية منتظمة لتعزيز الثقة لديهم.

وأوضحت المحكمة أن استراتيجية المتهم اعتمدت بشكل أساسي على خلق انطباع تام بوجود مؤسسة حقيقية وراسخة. استعان في ذلك بتقديم عقود رسمية، وترتيب اجتماعات، واستقبال الضحايا في مقر يبدو فخماً، مما منحهم شعوراً قوياً بالأمان وحثهم على تحويل أموالهم. ولكن، بدأت الشكوك تتزايد لدى الضحايا لاحقاً، خاصة مع تعثر الوعود الاستثمارية وعدم حصولهم على العوائد المتفق عليها. وقد بلغ بهم الأمر إلى اكتشاف أن البنك المزعوم، “جامي بنك”، لا وجود له أساساً ضمن السجلات الرسمية لأي جهة رقابية.

الحكم القضائي والتعويضات للمحتال عليهم

كشفت أوراق الدعوى أن دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي أكدت رسمياً عدم وجود أي بيانات أو تراخيص مسجلة لهذا البنك المزعوم. وقد اعتبرت المحكمة هذا التأكيد دليلاً قاطعاً على زيف الكيان الذي استخدمه المتهم في استدراج ضحاياه. واعتمد المدعون في قضيتهم المدنية على الحكم الجزائي الابتدائي الذي أدام المتهم، وقضى بحبسه ثلاثة أشهر، وتغريمه مبلغاً يعادل 1.5 مليون دولار، بالإضافة إلى إبعاده عن الدولة. وقد أيدت محكمة الاستئناف هذا الحكم، لكنها ألغت تدبير الإبعاد، ليصبح الحكم نهائياً بعد انقضاء مواعيد الطعن.

خلال سير الدعوى المدنية، حاول المتهم التمسك بعدة دفوع قانونية، من بينها انتفاء صفته الشخصية ووجود شرط تحكيم في العقود الموقعة. إلا أن المحكمة رفضت هذه الدفوع بشكل قاطع، مؤكدة أن الحكم الجزائي النهائي قد حسم بالفعل مسألة صفحته ومسؤوليته الكاملة عن هذه الواقعة.

وأوضحت المحكمة في حيثيات حكمها أن للقضاء الجزائي البات حجية مطلقة أمام القضاء المدني فيما يتعلق بثبوت الفعل الإجرامي ونسبته إلى فاعله، ولا يجوز إعادة مناقشة هذه المسائل مرة أخرى، نظراً لارتباطها الوثيق بالنظام العام. كما رفضت المحكمة الدفع بشرط التحكيم، مشيرة إلى أن المتهم لم يتمسك به في الجلسة الأولى وفقاً لما يوجبه القانون. بالإضافة إلى ذلك، فإن ثبوت عدم وجود الكيان محل التعاقد قانونياً قد أفقد هذا الدفع قيمته القانونية، وجعله عديم الأثر.

وشددت المحكمة على أن ما تعرض له المستثمرون لم ينحصر في خسارة أموالهم فحسب، بل امتد ليشمل حرمانهم من استثمار تلك الأموال والاستفادة منها، بالإضافة إلى ما تكبدوه من نفقات وإجراءات قانونية معقدة. علاوة على ذلك، أشارت المحكمة إلى الأضرار الأدبية التي لحقت بهم، والمتمثلة في الحزن والقلق وفقدان الثقة نتيجة تعرضهم لعملية احتيال محكمة.

وخلصت المحكمة إلى أن القانون يلزم كل من ألحق ضرراً بالغير بالتعويض، سواء عن الخسائر الفعلية التي تكبدها، أو ما فاته من كسب كان من الممكن تحقيقه، متى ثبتت علاقة السببية بين الخطأ المرتكب والضرر الواقع، وهو ما تحقق بوضوح في هذه الدعوى.

إجمالاً، ألزمت المحكمة المدعى عليه بأن يؤدي لكل مدعٍ مبلغ 505 آلاف دولار، وهو مبلغ يشمل أصل المبالغ المستولى عليها، بالإضافة إلى تعويضات مادية وأدبية. هذا المبلغ سيعاد له فائدة قانونية بواقع 5% سنوياً من تاريخ صيرورة الحكم نهائياً وحتى السداد الكامل. كما شمل الحكم إلزام المدعى عليه بدفع الرسوم والمصروفات القضائية وأتعاب المحاماة.

تظل قضايا الاحتيال المالي تحدياً مستمراً، وتؤكد هذه القضية على أهمية التحقق الدقيق من شرعية أي فرص استثمارية قبل الإيداع بالأموال، خاصة تلك التي تعد بعوائد استثنائية وغير واقعية.

شاركها.