«سيرفس ناو»: عصر التنفيذ الذكي يحل محل المساعد الذكي في المؤسسات
الرياض – كشفت شركة «سيرفس ناو» (ServiceNow) عن تحول جذري في دور الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، مشيرة إلى أن عصر المساعد الذكي الذي يقتصر دوره على تقديم النصائح والاقتراحات قد ولى، ليحل محله عصر التنفيذ الذكي حيث تتولى الأنظمة مهمة إنجاز العمليات بشكل كامل. يأتي هذا التطور، بحسب خبراء الشركة، ليغير بشكل كبير نماذج العمل التشغيلي ويعزز كفاءة المؤسسات.
وفي لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، أوضح الدكتور ضاري أبوحيمد، نائب الرئيس الإقليمي لقسم استشارات الحلول في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا لدى «سيرفس ناو»، أن التحول الحاسم يكمن في المساءلة، حيث لم تعد أنظمة الذكاء الاصطناعي تكتفي بتقديم المعلومات للموظفين، بل باتت تمتلك القدرة على تحقيق النتائج النهائية. وأشار أبوحيمد إلى أن هذه الأنظمة تنتقل من مرحلة التوصية بالإجراءات إلى تنفيذها «من البداية إلى النهاية، بالصلاحية المناسبة، والسياق الصحيح، وسجل التتبع الذي تتطلبه العمليات المؤسسية».
من المساعدة إلى التنفيذ: إعادة تعريف دور الذكاء الاصطناعي
تكمن أهمية هذا التحول في أنه ينقل النقاش من مجرد أدوات إنتاجية إلى قلب النموذج التشغيلي للمؤسسة. فبينما قد يوفر المساعد الكتابي دقائق من وقت الموظف، يمكن لسير العمل الذاتي أن يعيد تشكيل طريقة توزيع العمل، وآلية تصعيد الاستثناءات، وكيفية قياس النتائج، وفرض الحوكمة. ولذلك، يصف أبوحيمد هذا التحول بأنه «تغيير هيكلي»، وليس مجرد تطوير تدريجي، مؤكداً أن «الذكاء الاصطناعي الذي كان يعيد العمل إلى البشر بات ينجزه الآن بشكل مستقل».
تؤكد «سيرفس ناو» أن هذه القدرة على التنفيذ الذاتي تظهر جلياً في أدائها، حيث نجحت في حل 90 في المائة من طلبات الدعم التقني من المستوى الأول داخلياً بشكل ذاتي، وبسرعة تزيد 99 في المائة على سرعة الوكلاء البشريين. هذه الإحصائيات، بحسب الشركة، تدحض فكرة أن عصر «المساعد» لا يزال هو السائد، خاصة في الوظائف المؤسسية ذات الحجم الكبير، حيث تحل الأنظمة الذاتية محل الاكتفاء بالنصيحة. ويعبر أبوحيمد عن ذلك بوضوح قائلاً: «عصر المساعد أصبح وراءنا بشكل كبير».
وأضاف أن النمط نفسه يتجلى في طبيعة الاستعلامات الواردة من المؤسسات. «أوضح إشارة على نضج الذكاء الاصطناعي هي إلى أين تتجه الميزانيات»، كما يقول. فالمؤسسات، حسب روايته، تنتقل من تمويل التجارب الأولية إلى تمويل النتائج الفعلية. ولم يعد العملاء يتساءلون عما إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع القيام بشيء ما نظرياً، بل من هو المسؤول عن النتيجة عند قيامه بذلك عملياً. وهذا سؤال يعكس انتقالاً من التجريب إلى تغيير في النموذج التشغيلي.
النمو يقود التنفيذ: مؤشرات التحول في أرقام «سيرفس ناو»
تشير «ServiceNow» إلى أن استهلاك «AI Agent Assist» نما 55 مرة خلال خمسة أشهر، وأن منتجاتها المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تتجه لتتجاوز مليار دولار من قيمة العقود السنوية في عام 2026. وتلفت الانتباه إلى أن منصتها تشغّل أكثر من 80 مليار سير عمل سنوياً. تهدف هذه الأرقام مجتمعة إلى الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي لا ينمو فقط في مستوى الحضور، بل ينتقل أيضاً إلى مرحلة تصبح فيها القدرة على التنفيذ، والحوكمة، والثقة أهم من عنصر الجِدة نفسه.
ويصبح هذا التحول أكثر وضوحاً في الوظائف التي تعمل أصلاً من خلال سير عمل منظم. ويقول أبوحيمد إن «تقنية المعلومات والموارد البشرية هما المجالان اللذان تظهر فيهما المكاسب بشكل أكثر مباشرة وقابلية للقياس». ويرجع السبب، بحسب رأيه، إلى تميز هاتين الوظيفتين بحجم معاملات مرتفع، وتوقعات خدمة واضحة، ومنطق عملياتي متكرر. وهذا تحديداً ما يجعل التنفيذ الذاتي أكثر سهولة من حيث الحوكمة وأكثر قابلية للقياس. ويضيف أن الشؤون المالية والمشتريات قد تكونان تاليتين، لكن تقنية المعلومات والموارد البشرية هما المجالان اللذان ينبغي للمؤسسات أن تبدأ بهما.
تحولات متسارعة في المملكة العربية السعودية
تكتسب هذه الأمثلة أهمية خاصة للسياق السعودي. ومن أوضح هذه الأمثلة شركة «STC»، حيث تقول «ServiceNow» إن تنفيذ طلبات تقنية المعلومات الذي كان يستغرق أسابيع أصبح يستغرق ساعات، وأن التطبيق توسع من 11 خدمة إلى 100 خدمة على المنصة. وهذه ليست مجرد قصة إنتاجية، بل قصة تنفيذ فعلي، توحي بأن قيمة سير العمل الذاتي لا تكمن في تقديم واجهة أذكى فحسب، بل في تقليص الاختناقات داخل الطبقة التشغيلية نفسها.
ويضرب أبوحيمد مثالاً آخر متعلقاً بوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، مشيراً إلى أنه جرى توحيد ثلاث وزارات على منصة واحدة، تخدم 22 ألف موظف وأكثر من 30 مليون مستفيد. وحتى من دون المبالغة في ربط هذه النتيجة بالذكاء الاصطناعي مباشرة، فإن حجم هذا الانتشار مهم؛ لأنه يوضح كيف تتقاطع أسئلة أتمتة سير العمل، والحوكمة، وتقديم الخدمات، مع مسارات التحول الحكومي.
وهنا تكتسب الزاوية السعودية وزناً أكبر. فالمملكة لا تتبنى هذا التحول متأخرة، بل ربما تتوافق معه هيكلياً في بعض الجوانب، وأن المملكة لا تلحق بالركب، بل تقود. ويربط ذلك بأجندة تحول القوى العاملة في «رؤية 2030». كما ينوه بأن «ServiceNow» التزمت باستثمار 500 مليون دولار في السعودية، وهي سوق تتحرك فيها المنصات على نطاق واسع، وتتكامل فيها الحوكمة والتحول الوطني وإعادة تصميم القوى العاملة.
إعادة تعريف الإنتاجية في عصر الأتمتة
يقود هذا التحول مباشرة إلى سؤال الإنتاجية. فإذا بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي في تنفيذ مهام كان يؤديها العاملون المعرفيون، فكيف ينبغي للمؤسسات أن تقيس الأداء؟
إجابة أبوحيمد هنا واضحة: «عدد المهام في الساعة كان دائماً وحدة قياس خاطئة». ففي نموذج تشغيلي تقوده أنظمة ذكاء اصطناعي منفذة، يصبح القياس الأكثر أهمية هو جودة المخرجات، وسرعة اتخاذ القرار، ومعدل التصعيد، أي مدى سرعة اتخاذ القرار الصحيح، وعدد المرات التي يدرك فيها النظام أنه ينبغي أن يعيد القرار إلى الإنسان، ومقدار الوقت الذي ينتقل من التنفيذ الروتيني إلى الحكم ذي القيمة الأعلى.
وهذا مهم لأنه يعيد تعريف الإنتاجية بعيداً عن منطق الإحلال البشري البسيط. وفي السياق السعودي، يدفع أبوحيمد الفكرة إلى أبعد من ذلك، حين يعتبر أن المقياس الأهم هو ما يمكن تسميته «رفع مستوى القوى العاملة»؛ أي كم عدد الموظفين الذين ينتقلون من الأعمال التكرارية إلى أدوار تتطلب الحكم والإبداع والقيادة والاستراتيجية. ويقول إن الذكاء الاصطناعي «لا يهدد هذه الأجندة، بل يسرّعها عبر إزالة العمل التكراري». وهذه صياغة ذات دلالة مهمة في المملكة؛ لأنها تربط مفهوم «القوى العاملة الذاتية» ليس فقط بكفاءة المؤسسة، بل أيضاً بطموح وطني لبناء كفاءات سعودية ذات قيمة أعلى.
وهكذا يرى أيضاً العلاقة المستقبلية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، شارحاً أن «العلاقة ستستقر على تقسيم واضح للعمل… الذكاء الاصطناعي يمتلك التنفيذ، والإنسان يمتلك الحكم». فالذكاء الاصطناعي، وفق هذا المنظور، يتفوق في السرعة، والاتساق، والنطاق داخل سير العمل المنظم. أما البشر، فيبقون مسؤولين عن التفكير الأخلاقي، وفهم سياق أصحاب المصلحة، والقرارات التي تحمل مساءلة طويلة الأجل. ويرى أن هذا الخط الفاصل سيصبح أكثر وضوحاً، لا أكثر غموضاً.
الحوكمة تصنع الثقة: أساس التوسع في الذكاء الاصطناعي المؤسسي
لكن أياً من ذلك لا يمكن أن يتوسع من دون حوكمة. فالحجة الأساسية لـ«سيرفس ناو» هي أن الثقة لا يمكن أن تُضاف إلى الذكاء الاصطناعي المؤسسي لاحقاً، بل يجب بناؤها في طبقة سير العمل نفسها منذ البداية. وترى الشركة أن «المنصة هي المكان الذي تُبنى فيه الثقة، لا المكان الذي تُضاف إليه لاحقاً». كما يجادل بأن كثيراً من مبادرات الذكاء الاصطناعي المؤسسي تتعثر لأن الحوكمة تُركب بعد وقوع الأمر، بينما تقوم «سيرفس ناو» بدمج «الرؤية، والتحكم، والمساءلة مباشرة داخل طبقة سير العمل»، اعتماداً على ما تصفه بأكثر من 20 عاماً من الذكاء التشغيلي المؤسسي.
ويختصر أبوحيمد تحدي الحوكمة هذا في 3 كلمات: الرؤية، والتحكم، والمساءلة. ويقول: «عندما ينفذ الذكاء الاصطناعي العمل ذاتياً، يجب أن يكون كل قرار قابلاً للتتبع، وقابلاً للتدقيق، وقابلاً للعكس». وبهذا يعرف «القوى العاملة الذاتية» ليس بوصفها مشكلة نماذج فقط، بل بوصفها مشكلة نظم وسير عمل. فالسؤال لم يعد فقط: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتصرف؟ بل: هل يمكن رؤية كل تصرف، وشرحه، والتحكم فيه، وإلغاؤه إذا لزم الأمر؟
لماذا تتعثر التجارب؟ عوائق التوسع في الذكاء الاصطناعي
يستشهد أبوحيمد ببحث يفيد بأن 78 في المائة من مديري المعلومات يرون أن الأمن والامتثال والتحكم في البيانات هي أبرز العوائق أمام توسيع الذكاء الاصطناعي الذاتي. كما يشير إلى أن درجة نضج الذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا هبطت من 44 إلى 34 من 100 خلال عام واحد، في إشارة إلى أن التبني يسبق الحوكمة. وهذه واحدة من أكثر النقاط الرقمية دلالة في المادة؛ لأنها توحي بأن المؤسسات قد تتحرك أسرع في التجريب وتبني الأدوات مما تتحرك في بناء الضوابط، وقابلية التدقيق، وهياكل الملكية التي تجعل التنفيذ الذاتي جديراً بالثقة.
ولهذا أيضاً يقول أبوحيمد إن الشركات العالقة في مرحلة التجارب تواجه غالباً «مشكلة حوكمة، لا مشكلة تقنية». ومن وجهة نظره، فإن أكبر عائق ليس جودة النماذج، بل الملكية العابرة للوظائف. ويشرح: «الشركات العالقة في التجارب لا تستطيع الإجابة عن سؤال بسيط: من يملك قرار الذكاء الاصطناعي عندما يعبر حدود وظيفة واحدة؟». ويلفت إلى أن هذا الغموض لا يُحل بنماذج أفضل أو بمزيد من التجارب، بل بمنصة تربط الذكاء، والتنفيذ، والمساءلة داخل سير عمل واحد. ويضيف: «ينتهي عصر التجارب في اللحظة التي يضع فيها شخص اسمه على النتيجة».
فالتحول من مساعد ذكاء اصطناعي إلى «قوى عاملة ذاتية» ليس أساساً قصة برمجيات أذكى، بل قصة مؤسسة تقرر ما إذا كانت تثق بالذكاء الاصطناعي إلى حد يسمح له بتنفيذ عمل حقيقي، وما إذا كانت قد بنت طبقات سير العمل والحوكمة والملكية بالدرجة الكافية لدعم هذا القرار. والمؤسسات التي تتحرك أسرع، على ما يبدو، هي تلك التي توقفت عن التعامل مع الحوكمة بوصفها مسار عمل منفصلاً، وبدأت بدمجها في العمليات اليومية.
