الطاقة الشمسية تعيد تشكيل اقتصاد الكهرباء في تعز
تشهد مدينة تعز اليمنية تحولاً ملحوظاً في مشهد توفير الكهرباء، حيث يقود الأفراد والمستثمرون الصغار سوقاً محلية ناشئة لتوليد وبيع الطاقة الشمسية. هذا التحول يأتي كاستجابة مباشرة لأزمة مزمنة طال أمدها، تتمثل في الانقطاع المستمر للكهرباء الحكومية وارتفاع تكلفة الخدمة التجارية، مما دفع السكان إلى تبني الطاقة الشمسية كبديل رئيسي.
خلال الفترة الماضية، برزت استثمارات صغيرة ومتوسطة في مجال توليد وبيع الكهرباء بالطاقة الشمسية داخل المدينة الواقعة جنوب غربي البلاد. وقد خلقت هذه الاستثمارات سوقاً جديدة تتلاقى فيها احتياجات الأسر مع مصالح التجار، وسط غياب شبه كامل للأطر التنظيمية والرقابية.
بعد سنوات من الجهود الميدانية للضغط على السلطات المحلية لإعادة تشغيل محطة كهرباء عصيفرة، التي لم تسفر عن شيء، لجأ الناشط الاجتماعي نائف الوافي إلى تجربة جديدة تركز على الاستثمار في الطاقة الشمسية كحل بديل لخدمة الكهرباء، وفي ذات الوقت كفرصة استثمارية.
استغرقت مساعي الوافي أشهراً طويلة، حيث جرب منظومات بسيطة وبطاريات تقليدية قبل أن يتجه إلى إنشاء منظومة طاقة شمسية متكاملة لخدمة مبنى سكني يضم خمس شقق. ولم يقتصر الأمر على تأمين احتياجات منزله الخاصة، بل امتد إلى إنتاج وبيع الكهرباء لسكان المبنى بسعر رمزي، في محاولة لتخفيف الأعباء المالية وكسر ما وصفه بـ”احتكار” مزودي الكهرباء التجارية.
أوضح الوافي لـ”الشرق الأوسط” أن الدافع الرئيسي وراء هذه المبادرة هو الارتفاع الكبير في أسعار الكهرباء التجارية، التي تتراوح بين 1200 و1400 ريال يمني لكل كيلوواط (مع العلم أن الدولار يساوي 1560 ريالاً في مناطق الحكومة الشرعية)، إلى جانب تردي الخدمة وانعدام استقرارها، في ظل أوضاع معيشية صعبة وتدني مستويات الدخل وانتشار البطالة.
يعتمد النظام الذي اعتمده الوافي على ألواح شمسية وأجهزة تنظيم وإدارة للتيار، يتم توجيهها إلى بطاريات عالية الجودة. ويتبع أساليب تضمن الكفاءة وتتجنب الأعطال التي ظهرت في السابق، بما في ذلك إدارة دقيقة لعمل المنظومة. يتم استهلاك التيار من الألواح الشمسية مباشرة خلال النهار، وتُستخدم البطاريات لتشغيل الأجهزة والإضاءة خلال الليل.
الحاجة الماسة إلى الرعاية والرقابة في سوق الطاقة الشمسية
يؤكد عدد من المستفيدين أنهم لمسوا فرقاً كبيراً في الأسعار منذ الأسابيع الأولى لتركيب هذه الأنظمة، مقارنة بالفواتير المرتفعة التي كانوا يحصلون عليها من المحطات التجارية.
يعتبر هذا الحل ضرورياً وملحاً لمدينة مثل تعز، بحسب الخبراء. فقد توقفت خدمات الكهرباء العمومية في معظم المحافظات، بما فيها تعز، منذ اندلاع الحرب، فضلاً عن الحصار الذي فرضته جماعة الحوثي، مما أدى لاحقاً إلى ظهور المحطات التجارية الخاصة.
في المقابل، لا يُعد شراء معدات الطاقة الشمسية خياراً متاحاً أو كافياً لغالبية السكان بسبب أسعارها المرتفعة التي تفوق قدرتهم الشرائية.
يشير محمد نجيب، خبير مالي ومحاسب في إحدى مؤسسات الطاقة البديلة، إلى أن الاستثمار في مجال الطاقة الشمسية يمكن تصنيفه ضمن المشاريع الصغيرة التي تستحق الدعم والتمويل من الجهات المعنية، سواء كانت رسمية أو دولية. ذلك أن هذه المشاريع تخلق مصادر دخل وفرص عمل متنوعة، وتوفر للسكان بدائل طاقة بأسعار معقولة.
ويوضح نجيب لـ”الشرق الأوسط” أن التمويل والرعاية الرسمية والدولية يضمنان استمرارية المشاريع وجودتها، نظراً لعدم ضمان استمرارية المشاريع الخاصة في هذين الجانبين. لذا، فإن وجود وسيلة لكفلتهما، وعلى رأسها شراكة فاعلة، يعزز المسؤولية تجاه المستفيدين.
على الرغم من هذه التحديات، يتوقع العاملون في القطاع أن يشهد الاعتماد على الطاقة الشمسية توسعاً أكبر خلال السنوات القادمة، مع إمكانية تغطية نسبة كبيرة من الطلب المحلي بحلول عام 2030. ويشكل نجاح تجارب تشغيل مبانٍ كاملة بهذه التقنية دافعاً إضافياً لهذا التوسع.
الطاقة الشمسية تتحول إلى فرصة استثمارية في تعز
ينبه أنس النهاري، تاجر في مجال أنظمة الطاقة الشمسية بتعز، إلى أن الطلب على هذه الأنظمة يشهد نمواً مستمراً، ليس فقط داخل المدينة، بل في مختلف المحافظات. ويعزى هذا النمو إلى ارتفاع تكاليف الكهرباء والوقود، مما حول الطاقة الشمسية من مجرد وسيلة لتغطية الاستهلاك المنزلي إلى فرصة استثمارية لتحقيق دخول إضافية عبر بيع الكهرباء داخل المباني أو المجتمعات المحلية.
ويضيف النهاري لـ”الشرق الأوسط” أن الأنظمة المتاحة تتراوح بين حلول منزلية صغيرة وأخرى أكبر للمؤسسات، مع تزايد الاعتماد على بطاريات الليثيوم نظراً لكفاءتها العالية على المدى الطويل.
إلا أن هذا النمو السريع يرافقه تحديات وعقبات متنوعة، أبرزها تفاوت جودة المنتجات في السوق، وظهور معدات منخفضة الجودة تباع تحت مسميات مضللة أو بعلامات تجارية مقلدة أو مزورة. هذا يعرض المستهلكين لمخاطر فنية ومالية، بالإضافة إلى ضعف القدرة الشرائية وغياب خيارات التمويل.
يتفق الوافي والنهاري على أن الطاقة الشمسية لا تزال تواجه عوائق عدة، منها ضعف القدرة الشرائية، وغياب التسهيلات التمويلية، وضعف التنظيم ورقابة السوق، إضافة إلى استمرار هيمنة مزودي الكهرباء التجارية على جزء من المشهد.
مستقبل مجهول لكهرباء تعز الرسمية
لا تزال محافظة تعز، بما في ذلك مركز المحافظة، تشهد استياءً شعبياً متزايداً بسبب استمرار انقطاع الكهرباء العمومية منذ بدء الحرب والحصار الحوثي. وبالمقابل، تنتشر محطات الكهرباء التجارية باهظة التكلفة، والتي يتسم أداؤها بالعشوائية وغياب الرقابة.
برر مصدر في كهرباء مدينة تعز عدم عودة محطة عصيفرة للعمل بغياب الدعم الحكومي، وعدم توفر غالبية القطع اللازمة لإصلاح المولدات. وأشار إلى أن وعود رجال الأعمال بتقديم المساعدات المالية لم تفِ بثمارها.
أبدى المصدر، الذي طلب التحفظ على اسمه نظراً لحساسية منصبه، أسفه لعدم استجابة الحكومات المتعاقبة لطلبات الدعم، مما ترك السلطة المحلية في المحافظة وحيدة في مواجهة هذه الأزمة التي أدت إلى سخط شعبي واسع، رغم تكرار رفع المذكرات لأعلى المستويات والجهات المختصة، مثل وزارات الكهرباء والمالية والنفط.
نوّه المصدر بأن الأضرار التي ألحقتها جماعة الحوثي بمحطة عصيفرة وشبكة التوزيع كبيرة للغاية، وتفاقمت بفعل فترة التوقف الطويلة، وأعمال النهب والسرقة والاعتداء المستمرة.
في أواخر الشهر الماضي، أدانت “مؤسسة الكهرباء” في تعز اعتداءً استهدف خطوط الضغط العالي غرب المدينة، واصفة إياه بالجريمة التي تستهدف المال العام والبنية التحتية لقطاع الكهرباء في المحافظة، وأعلنت عن أسماء المتهمين بتنفيذ الاعتداء.
وكان ناشطون ومنظمات محلية قد تبنوا حملة مجتمعية استمرت أعواماً للضغط من أجل إعادة تشغيل محطة الكهرباء، إلا أن هذه الجهود لم تتوج بالنجاح حتى الآن.
