«فضيحة جوازات السفر» تهز كرة القدم الهولندية وتثير تساؤلات حول الجنسية المزدوجة

تعيش كرة القدم الهولندية حالة من الارتباك والذعر على خلفية ما بات يُعرف بـ “فضيحة جوازات السفر”، التي تورط فيها حوالي 25 لاعباً، بينهم تيارون شيري، نجم فريق نيميغن. تكشف هذه الأزمة عن التعقيدات القانونية والإدارية المحيطة بالجنسية المزدوجة، حيث يواجه اللاعبون والأندية تداعيات خطيرة قد تغير مسار الموسم الكروي.

في أواخر مارس الماضي، عاد تيارون شيري إلى هولندا بعد فشل منتخب سورينام في التأهل لكأس العالم، ليجد نفسه مضطراً للبقاء في المنزل لمدة خمسة أيام دون القدرة على الالتحاق بفريقه. لم يكن شيري مصاباً، بل كان ينتظر “أمراً ما” غامضاً، كما وصفه، مما أثار قلق عائلته وأطفاله الذين تساءلوا عن ماهية المشكلة. هذه الحادثة ليست فردية، بل هي جزء من أزمة أوسع هزت أركان كرة القدم في هولندا، مدفوعة بالتباسات حول اكتساب الجنسيات الأجنبية واللعب للمنتخبات الوطنية.

أزمة الجنسية المزدوجة: من بودكاست إلى حكم قضائي

بدأت القصة بشكل عفوي في بودكاست “الشوط الثالث” الشهير، بعد تحليل لأداء نادي ناك بريدا المخيب أمام غو أهيد إيغلز. أشار المحلل روجر جاكوبس إلى أن الفريق المنافس، غو أهيد، ربما يكون قد أشرك لاعباً غير مؤهل، وهو دين جيمس. وافق جيمس على الانضمام لمنتخب إندونيسيا في مارس 2025، ويحصل على جواز سفر إندونيسي، لكنه، كما أوضح جاكوبس، قد يكون قد تخلى بذلك عن جنسيته الهولندية، مما يجعله لاعباً “أجنبياً” في هولندا ويتطلب تصريح عمل.

وفقاً لأستاذة الرياضة والقانون، ماريان أولفرز، فإن تنازل اللاعب عن جنسيته الهولندية طواعية يضعه في نطاق اختصاص قضائي مختلف، ويصبح حينها بحاجة إلى تصريح عمل لممارسة نشاطه المهني في هولندا. وقد أدت هذه التفاصيل القانونية إلى قيام نادي ناك بريدا، الذي خسر مباراته أمام غو أهيد، بتقديم شكوى رسمية للاتحاد الهولندي لكرة القدم ضد مشاركة دين جيمس، مما أشعل فتيل الأزمة.

تداركت أندية أخرى، مثل توب أو إس إس، الوضع وسارعت إلى طرح تساؤلات مماثلة حول لاعبين آخرين، مما دفع الأندية ووكللاء اللاعبين إلى طلب المشورة القانونية لفهم مدى أهلية لاعبيهم في المشاركة. وقد أدى هذا الارتباك إلى تعليق مشاركة عدد من اللاعبين مؤقتاً، بمن فيهم شيري وجيمس، لحين وضوح الموقف القانوني.

تداعيات قانونية معقدة على اللاعبين والأندية

تاريخياً، سعت دول مثل إندونيسيا وسورينام وكاب فيردي، الدول ذات الروابط التاريخية مع هولندا، إلى تعزيز منتخباتها الوطنية باللاعبين المحترفين في الخارج ممن يحملون أصولاً منها. وقد شهد المنتخب الإندونيسي، على سبيل المثال، حضوراً هولندياً قوياً، حيث لعب العديد من اللاعبين المولودين في هولندا لمنتخبه، خاصة تحت قيادة مدربين هولنديين.

لكن القانون الهولندي ينص على أن فقدان الجنسية يحدث تلقائياً عند اكتساب جنسية أخرى طوعاً. التقدم بطلب للحصول على جواز سفر جديد للعب مع منتخب وطني، مثل إندونيسيا، يندرج ضمن هذا السياق، مما يعني أن اللاعبين الذين وافقوا على هذه العروض قد تخلوا عن جنسيتهم الهولندية. علاوة على ذلك، لا تعترف إندونيسيا بالجنسية المزدوجة، مما يحول هؤلاء اللاعبين نظرياً إلى مواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي.

وهذا يعني، كما توضح الأستاذة ماريان أولفرز، أن هؤلاء اللاعبين أصبحوا بحاجة إلى تصريح عمل. الشروط المطلوبة للحصول على تصريح العمل في هولندا، لا سيما الراتب السنوي المرتفع، تستبعد العديد من اللاعبين في الدوريات الأقل، مما أدى إلى لعبهم دون التصريح اللازم، ودون معرفة كاملة بالقانون.

من جانبه، صرح يفغيني ليفشينكو، رئيس نقابة اللاعبين الهولنديين، بأن النقابة أطلقت “ناقوس الخطر” بعد بحث قوانين الجنسية والتحدث مع محامين. وأصدرت بياناً عاماً لتنبيه اللاعبين، لكنها تلقت تجاهلاً كبيراً. وتختلف درجة الوعي القانوني بين الأندية، حيث تمتلك الأندية الكبرى، مثل أياكس، الخبرة اللازمة للتعامل مع مثل هذه القضايا، بينما تفتقر الأندية الأصغر خبرة قانونية واسعة.

فيما يتعلق بالمسؤولية، يرى البعض، مثل أولفرز، أن اللاعبين يتحملون جزءاً من المسؤولية لعدم البحث الكافي أو التدقيق في القوانين، خاصة إذا كانوا يعلمون بتعهداتهم. لكن هناك وجهة نظر أخرى تؤكد أن بعض المنتخبات الوطنية تواصلت مع اللاعبين مباشرة دون إشراك أنديتهم أو وكلائهم، وأن اللاعبين كانوا مدفوعين برغبة اللعب لبلادهم فقط.

نحو الحل وتحديد المسؤوليات

بعد فترة التوقف الدولي، اتخذت الأندية قرارات مؤقتة باستبعاد اللاعبين المشكوك في وضعهم القانوني، بمن فيهم شيري وجيمس. تمكن قسم من هؤلاء اللاعبين لاحقاً من استئناف اللعب بعد حصولهم على تسهيلات قانونية، مثل “ختم الاتحاد الأوروبي” الذي يسمح لهم بالعمل والحياة في هولندا أثناء انتظار إجراءات الإقامة.

عبّر تيارون شيري عن سعادته بعودة زملائه، مؤكداً أن النادي تعامل مع الموقف بمهنية. ومع ذلك، لا يزال بعض اللاعبين الآخرين، مثل ديون مالون، يدرسون خياراتهم المستقبلية. في المقابل، أثارت بعض التصريحات، مثل تصريح جاستن هوبنر، مدافع فورتونا الإندونيسي، انتقادات لإدارة نادي ناك بريدا، معتبرين أن التركيز يجب أن يكون على اللعب وليس على الجنسية.

يُنتظر صدور حكم من محكمة أوتريخت في القضية بين نادي ناك بريدا والاتحاد الهولندي لكرة القدم، والذي قد يلقي بظلاله على مستقبل جدولة المباريات والإجراءات القانونية في كرة القدم الهولندية. سيحدد هذا الحكم ما إذا كانت هناك حاجة لإعادة النظر في نتائج العديد من المباريات، مما قد يفتح الباب أمام المزيد من التعقيدات القانونية والإدارية.

شاركها.