كشفت دراسة أوروبية حديثة أن سكريات فريدة موجودة في حليب الأم تلعب دورًا حاسمًا في تحقيق التوازن البكتيري بين أنواع البكتيريا المختلفة في أمعاء الرضع. هذا الاكتشاف، الذي نشر في مجلة “Nature Communications”، يسلط الضوء على آلية جديدة عبر الرضاعة الطبيعية لحماية صحة الجهاز الهضمي والمناعي للأطفال في مراحلهم الأولى.
أجرى فريق بحثي من جامعات أوروبية بارزة، بما في ذلك جامعة برمنغهام في المملكة المتحدة وجامعة فيينا في النمسا، الدراسة التي تعتمد على تقنية التسلسل العميق للحمض النووي لتحليل عينات براز من 41 رضيعًا وأمهاتهم في هولندا. تهدف النتائج إلى تعزيز فهمنا لكيفية تكوين الميكروبيوم الصحي لدى الأطفال حديثي الولادة.
حليب الأم ودوره في تحقيق التوازن البكتيري
تُعد السكريات الموجودة حصريًا في حليب الأم، والمعروفة باسم قليلات السكاريد قليلة التكثف في حليب الثدي (HMOs)، حجر الزاوية في تعزيز “التعايش البكتيري” الصحي داخل أمعاء الرضع. توضح هذه الدراسة، وهي الأولى من نوعها التي تكشف هذه الآلية بالتفصيل، كيف تدعم هذه السكريات نمو البكتيريا المفيدة وتحد من نمو البكتيريا التي قد تكون ضارة عند زيادة أعدادها.
تقوم البكتيريا المفيدة، مثل البيفيدوباكتيريا، بتكسير هذه السكريات المعقدة في حليب الأم إلى سكريات بسيطة. تستفيد البكتيريا المتعايشة، مثل الإشريكية القولونية، من هذه السكريات البسيطة، وفي المقابل، تنتج هذه البكتيريا المتعايشة حمض السيستين الأميني، وهو عنصر غذائي أساسي لنمو البكتيريا المفيدة. هذا التبادل الغذائي يخلق علاقة تكافلية تضمن عدم تجاوز أعداد البكتيريا المتعايشة للمستويات الآمنة.
وأكد العلماء أن هذا التوازن البكتيري ضروري لمنع المشكلات الهضمية، مثل الإسهال الحاد الذي يمكن أن يصاحبه دم. فالحفاظ على مستويات منخفضة ومستقرة من البكتيريا المتعايشة يضمن عدم تحولها إلى مسببات للأمراض.
نمو ميكروبيوم الأمعاء وتعزيز المناعة
بالإضافة إلى السيطرة على البكتيريا المتعايشة، فإن هذا التبادل الغذائي يغذي بيئة غنية بالبكتيريا المفيدة، وهو أمر حيوي للنمو الصحي للرضع. يعزز ميكروبيوم الأمعاء القوي الجهاز الهضمي ويدعم تطور الجهاز المناعي بشكل فعال.
يشير الباحثون إلى أن الرضاعة الطبيعية هي الآلية الأساسية التي تعمل من خلالها هذه العلاقة التكافلية. وقد تكون كلتا النوعيتين من البكتيريا، المفيدة والمتعايشة، ضروريتين للتعايش الصحي، خاصة في المراحل المبكرة من الحياة.
تنتقل سلالات البكتيريا المفيدة غالبًا من الأم إلى الرضيع قبل الولادة وأثناء الرضاعة، وتلعب دورًا محوريًا في صحة الجهاز الهضمي والمناعة. في المقابل، غالبًا ما تأتي سلالات البكتيريا المتعايشة من مصادر خارجية، لكنها تستقر في جسم الرضيع.
آفاق مستقبلية وتوصيات
تؤكد الدراسة على أهمية فهم مسارات انتقال البكتيريا إلى جسم الرضيع. تهدف الأبحاث المستقبلية إلى تطوير استراتيجيات لزيادة أعداد البكتيريا المفيدة وتقليل أعداد البكتيريا المتعايشة بشكل غير مباشر.
يمكن أن تساهم التعديلات في حمية الأم المرضعة، بما في ذلك تناول الأطعمة الغنية بالبروبيوتيك مثل الزبادي، في تعزيز البكتيريا المفيدة. هذه النتائج قد تغير بشكل كبير النهج المتبع للحفاظ على صحة الجهاز الهضمي للأطفال.
من المتوقع أن تدفع هذه النتائج الباحثين إلى تطوير علاجات جديدة، مثل المكملات الغذائية أو تركيبات الحليب الصناعي المصممة خصيصًا، والتي تحتضن التفاعل بين البكتيريا المفيدة والمتعايشة بدلًا من محاولة استبعاد البكتيريا المتعايشة تمامًا.
تظل القدرة على تحقيق التوازن البكتيري في أمعاء الرضع من خلال الرضاعة الطبيعية موضوعًا للدراسة المستمرة، مع التركيز على تداعيات هذه النتائج على صحة الأطفال على المدى الطويل.
