يتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤ نمو الاقتصاد الياباني إلى 0.8 في المائة في عام 2026، متأثراً بضعف الطلب الخارجي والتداعيات المتزايدة للصراع في الشرق الأوسط. جاء هذا التوقع في الوقت الذي أشاد فيه الصندوق بمرونة الاقتصاد الياباني القوية في مواجهة الصدمات العالمية، موصياً بنك اليابان بمواصلة رفع أسعار الفائدة تدريجياً لكبح التضخم الأساسي. ويؤكد صندوق النقد الدولي على أهمية الحفاظ على القوة الشرائية للأسر اليابانية التي بدأت تتآكل بفعل التضخم.

وفي ختام مشاورات “المادة الرابعة” لعام 2026، أوضح المجلس التنفيذي للصندوق أن بنك اليابان ينبغي أن “يواصل تحريك سعر الفائدة نحو مستوى محايد” بهدف تحقيق مستهدف التضخم البالغ 2 في المائة. وأبقى بنك اليابان الباب مفتوحاً أمام مزيد من التشديد النقدي، مؤكداً أن تطبيع السياسة سيستمر إذا تحققت التوقعات الاقتصادية والمالية.

صندوق النقد الدولي يتوقع تباطؤ نمو اقتصاد اليابان جراء الحرب

ذكرت التصريحات الأخيرة لصندوق النقد الدولي أن الاقتصاد الياباني قد يواجه فترة من التباطؤ في عام 2026، حيث من المتوقع أن يسجل معدل نمو لا يتجاوز 0.8 في المائة. ويعزى هذا التباطؤ المتوقع إلى مجموعة من العوامل، أبرزها ضعف الطلب الخارجي المتأثر بالظروف الاقتصادية العالمية، بالإضافة إلى التداعيات غير المباشرة للصراع الدائر في الشرق الأوسط. ورغم هذا التوقع، أشاد صندوق النقد الدولي بالأداء القوي والمرونة التي أظهرها الاقتصاد الياباني في مواجهة الصدمات الاقتصادية العالمية المتكررة.

أفاد المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي، في ختام مشاورات “المادة الرابعة” لعام 2026، بأن بنك اليابان مدعو إلى “مواصلة تحريك سعر الفائدة نحو مستوى محايد” وذلك بهدف الوصول إلى استهداف التضخم البالغ 2 في المائة. وقد عبر أعضاء المجلس التنفيذي عن اتفاقهم على أن البنك “يسحب سياسة التيسير النقدي بشكل مناسب”، مؤكدين الحاجة إلى سياسة نقدية متوازنة.

في ظل حالة عدم اليقين الكبيرة المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية الخارجية، أكد أعضاء المجلس التنفيذي دعمهم لنهج “مرن وشفاف ويعتمد على البيانات”. وفي الوقت ذاته، شددوا على ضرورة حماية القوة الشرائية للأسر اليابانية، التي بدأت تتآكل بفعل الارتفاع المستمر في معدلات التضخم السنوي، على الرغم من الزيادة التاريخية التي شهدتها الأجور الاسمية. وهذا يشير إلى تحدٍ تواجهه الحكومة لضمان أن تكون الزيادات في الأجور حقيقية وتخدم القدرة الشرائية للمواطنين.

وكان محافظ بنك اليابان، كوجي ناكامورا، قد أشار في وقت سابق إلى أن التأثير المحتمل لارتفاع أسعار الوقود، الناتج عن التوترات الجيوسياسية في المنطقة، قد يكون أعمق من الآثار التي لوحظت في فترات سابقة. ويرجع ذلك إلى الزيادة الملحوظة في استعداد الشركات لتمرير التكاليف الإضافية إلى المستهلكين. وقد انعكست هذه التوترات الجيوسياسية بشكل مباشر على قطاع الأعمال الياباني، حيث تدهورت ثقة الشركات في شهر مارس (آذار) بشكل جماعي شملت جميع القطاعات العشرة للمرة الأولى منذ عام 2023. ويُعزى هذا التدهور إلى الزيادة الحادة في تكاليف الشحن والمدخلات اللوجستية، بالإضافة إلى انخفاض قيمة الين بنسبة 2 في المائة منذ اندلاع الصراع، مما يضع طوكيو أمام مهمة صعبة تتمثل في الموازنة بين تطبيع السياسة النقدية الذي يدعمه صندوق النقد الدولي، وحماية قطاع الخدمات الذي شهد أدنى معدل نمو له في ثلاثة أشهر.

إشادة بمرونة الاقتصاد الياباني وتحديات الحرب

أشاد الخبراء في صندوق النقد الدولي بالمرونة الاقتصادية القوية التي أظهرها الاقتصاد الياباني، مؤكدين على قدرته على مواجهة الصدمات الخارجية. ومع ذلك، اتفقوا على أن الحرب في الشرق الأوسط تشكل مخاطر جديدة وكبيرة على التوقعات الاقتصادية المستقبلية. ولذلك، شددوا على أهمية مواصلة جهود إعادة بناء الاحتياطيات المالية، والاستمرار في تطبيع السياسة النقدية، بالإضافة إلى المضي قدماً في تنفيذ إصلاحات سوق العمل لدعم مكاسب مستدامة في الأجور الحقيقية. هذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز صمود الاقتصاد الياباني على المدى الطويل.

وقد رحب أعضاء مجلس إدارة الصندوق بجهود الحكومة اليابانية في ضبط الأوضاع المالية بعد جائحة كوفيد-19. وأكدوا على ضرورة تبني موقف مالي أكثر حيادية على المدى القريب، مع إجراء تعديلات مالية داعمة للنمو على المدى المتوسط، مدعومة بإطار مالي يتسم بالموثوقية والشفافية. هذا الإطار سيساعد في بناء الثقة لدى الأسواق والمستثمرين، ويدعم الاستقرار المالي.

وفيما يتعلق بخطة الحكومة اليابانية لخفض ضريبة الاستهلاك، شدد أعضاء مجلس إدارة صندوق النقد الدولي على ضرورة أن “تستهدف أي إجراءات الأسر والشركات الأكثر ضعفاً، وأن تكون مؤقتة ومحايدة من حيث تأثيرها على الموازنة” لتجنب زيادة العجز المالي. كما دعا الصندوق إلى تبني إصلاحات هيكلية شاملة، تتضمن إعادة تأهيل العمالة لمواجهة التغيرات المتوقعة في سوق العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وذلك لضمان استمرار نمو الأجور الحقيقية والحفاظ على صمود الاقتصاد الياباني أمام صدمات العرض الخارجية العنيفة.

مخاوف بشأن الدين العام في اليابان

فيما يتعلق بملف الدين العام، حمل بيان صندوق النقد الدولي تحذيراً صريحاً بشأن المسار المستقبلي لهذا الملف، على الرغم من الأداء المالي الجيد الذي لوحظ مؤخراً. أوضح الصندوق أنه على الرغم من تجاوز الأداء المالي الأخير لليابان للتوقعات، إلا أنه من المتوقع أن يتسع العجز في الميزانية العامة خلال عام 2026. وتشكل هذه الزيادة في العجز مصدر قلق على المدى الطويل، وتستدعي اهتماماً خاصاً من قبل صانعي السياسات.

وحذر المديرون التنفيذيون لصندوق النقد الدولي من أن استمرار الارتفاع في الإنفاق على الفوائد، بالإضافة إلى تصاعد تكاليف الرعاية الصحية والخدمات طويلة الأجل نظراً لارتفاع متوسط العمر المتوقع للسكان، سيؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي اعتباراً من عام 2035. ويتطلب هذا السيناريو وضع خطط مالية استباقية لمعالجة هذه التحديات.

لمواجهة هذا الوضع، شدد صندوق النقد الدولي على النقاط الأساسية التالية:

الحذر المالي: أكد الصندوق على ضرورة تبني خطة مالية حازمة تضمن وضع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي على مسار نزولي مستدام، مما يعكس التزاماً بتعزيز الاستقرار المالي.

إطار مالي موثوق: دعا الصندوق إلى إجراء تعديلات مالية داعمة للنمو على المدى المتوسط، مدعومة بإطار عمل متكامل يضمن الحفاظ على ثقة الأسواق في ظل الضغوط الإنفاقية طويلة الأجل، لا سيما في مجالات الرعاية الاجتماعية والصحة.

كفاءة الإنفاق: أوصى المديرون التنفيذيون بضرورة تحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، وتعزيز تدابير تعبئة الإيرادات المستدامة لمواجهة “الفاتورة” المتزايدة لفوائد السندات الحكومية وتكاليف الرعاية الاجتماعية المتنامية. وهذا يتطلب مراجعة شاملة لآليات الإنفاق الحكومي وتحديد أولويات أكثر فعالية.

شاركها.