على الرغم من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي طمأنت إسرائيل نسبياً بالاستمرار في الحرب لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى، لا تزال التقديرات في تل أبيب تشير إلى احتمال تغيير مفاجئ ووقف الحرب قبل تحقيق جميع الأهداف الموضوعة. تشير مصادر أمنية إلى أن قادة “الحرس الثوري” الإيراني لا يزالون يسعون لاستمرار الحرب، رغم الخسائر التي لحقت ببلادهم، بهدف تحويلها إلى حرب استنزاف طويلة، بينما يفضل الرئيس ترامب إحباط هذه الاستراتيجية.
ووفقاً لموقع “واللا” الإسرائيلي، فإن وقف الحرب قد يتيح لإسرائيل والولايات المتحدة تقييم الأضرار والآثار المترتبة على عملياتهما بشكل أوضح. ويأتي هذا القلق في ظل تزايد المعارضة للحرب في الولايات المتحدة والغرب، وبدء تراجع التأييد لها حتى داخل إسرائيل.
تحسب إسرائيلي لتغيير مفاجئ في موقف ترامب
كشفت تقارير تلفزيونية، نقلاً عن “القناة 12″، عن حجم الضربات الهائلة التي تعرضت لها إيران في هذه الحرب، حيث نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل مجتمعة 19,650 هجوماً، استهدفت 11 ألفاً منها القوات الأمريكية. أسفرت هذه الهجمات عن اغتيال 55 شخصية قيادية مهمة، بينهم 22 شخصية بارزة، وتدمير 4,700 موقع يتعلق بإنتاج وتخزين الصواريخ الباليستية، مما قلل من قدراتهم بنسبة 90%، إضافة إلى تدمير 150 سفينة حربية.
ومع ذلك، واصلت إيران إطلاق الصواريخ، حيث وُجه 14% فقط من القصف الإيراني نحو إسرائيل (411 موجة تضمنت 585 صاروخاً و765 طائرة مسيرة)، بينما أُطلقت بقيتها على نحو 14 دولة، أغلبها عربية وإسلامية، بحسب القناة.
الاستعداد الإيراني للحرب وديناميكيات الردع
وفي تصريحات لموقع “واي نت”، أوضح داني سيترينوفيتس، باحث في برنامج إيران بمعهد أبحاث الأمن القومي بجامعة تل أبيب، والرئيس السابق لبرنامج إيران في دائرة الأبحاث بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أن “إيران ما زالت تتمتع بقوة كبيرة، ويبدو أنها استعدت لهذه الحرب أكثر مما توقعنا في إسرائيل والولايات المتحدة”.
وأضاف سيترينوفيتس أن تصريحات رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، بترسيخ معادلة “العين بالعين”، تؤكد صمود القيادة الإيرانية، حيث توجد قرارات استراتيجية وعمليات ميدانية، وأن “إطلاق الصواريخ ليس عبثياً”.
وأشار إلى أن إطلاق الصواريخ ليس مجرد استخدام لما هو متوفر، بل هو جزء من خطة استراتيجية وتشغيلية للحرب. وأوضح أن الهجوم في جنوب إيران أدى إلى الهجوم الأول على مصفاة النفط في حيفا، ثم الهجوم على منشأة نطنز، تبعها الرد الإيراني بمهاجمة مفاعل ديمونا.
وتابع قائلاً: “نُفذت هجمات ضد مصانع الفولاذ في إيران، وتم بعدها استهداف مصنع في نيئوت حوفاف، في النقب. وعاد الإيرانيون لمهاجمة مصفاة النفط في حيفا للمرة الثانية لأننا هاجمنا بنيتهم التحتية للكهرباء”.
كما لفت سيترينوفيتس إلى أهمية إيران في خلق معادلة ردع، وأن إسرائيل جزء منها فقط. وأوضح أن الهجوم في رأس لفان، على سبيل المثال، عطّل 17% من قدرة استخراج الغاز القطري عقب الهجوم على حقل بارس في جنوب إيران.
تهديد الحوثيين وتصعيد الصراع
وأشار سيترينوفيتس إلى عنصر جديد تم إدخاله إلى المعادلة، وهو تهديد الحوثيين بإغلاق مضيق باب المندب، الذي سيلتزمون بتنفيذه في حال شن هجوم كبير في إيران أو توغل بري.
وأضاف أن إغلاق باب المندب “سيكون حدثاً مهماً، وسيتصاعد. وبالنسبة إلى إيران فإن أي شيء تفعله ضدي، سأفعله ضدك وأكثر من ذلك. فهم لا يسعون للتساوي، بل للتصعيد، ويحاولون إنشاء قواعد لعبة جديدة، ويدركون أنه كي لا يُهاجموا، يتعين عليهم أن يتسببوا بألم أكبر للعدو”.
ورجح سيترينوفيتس أن المرحلة المقبلة ستشهد هجمات ضد المؤسسات الأكاديمية، بعد شن هجمات ضد كيانات مشابهة في إيران، حيث هدد “الحرس الثوري” مؤخراً بأن الجامعات الإسرائيلية ستكون أهدافاً مشروعة.
تأتي هذه التصريحات ضمن مواقف عديدة صدرت عن جهات مختلفة، تشير إلى اقتناع إسرائيلي بأن هذه الحرب لن تدمر إيران، بل ستلحق بها ضربات قوية تؤخر مشاريعها لبضع سنوات، مما يستدعي الضرورة لمواجهتها مرة أخرى في المستقبل.
وفُهمت على هذا النحو تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، حيث قال إن “إسرائيل أزالت تهديد الإبادة الذي كانت تواجهه”، مضيفاً: “لن تكون إسرائيل أمام حرب أخيرة. فالأعداء ما زالوا موجودين، لكنهم تلقوا ضربة قاسية. وعلينا أن نواصل الوقوف على أهبة الاستعداد لمواجهة أي تهديدات مستقبلية. نعم، لا يزال بإمكانهم إطلاق النار علينا، لكن لا يمكنهم وضعنا في خطر وجودي”.
في هذه الأثناء، يواصل الإسرائيليون والأمريكيون ضرباتهم على إيران بقوة، باعتبار أن كل ضربة جديدة تهدم مدماكاً في قوة “الحرس الثوري”، وتمهد لإضعاف النظام. ويؤكد الإسرائيليون والأمريكيون، وفقاً لصحيفة “معاريف”، أنه “في كل الأحوال، لن تعود إيران بعد الحرب إلى واقعها ما قبل الحرب”.
من المتوقع أن تستمر الضربات المتبادلة، مع تركيز إسرائيل والولايات المتحدة على إضعاف البنية التحتية العسكرية لإيران، بينما تستعد طهران لسيناريوهات التصعيد، بما في ذلك استهداف مصالح غربية وحليفة لواشنطن في المنطقة. وسيشكل أي تغيير مفاجئ في الموقف الأمريكي تجاه استمرار الحرب نقطة تحول مهمة، قد تعيد تشكيل الديناميكيات الإقليمية.
