تأثير النهائي الأفريقي يعكّر صفو العلاقات المغربية السنغالية رغم عمق الروابط

تشهد العلاقات بين المغرب والسنغال، التي طالما اتسمت بالعمق والتفرد، توتراً ملحوظاً عقب الأحداث التي صاحبت نهائي كأس أمم أفريقيا لكرة القدم، حيث سُحب اللقب من السنغال ومنح للمغرب بقرار من الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف). هذا التطور ألقى بظلاله على الروابط التاريخية والشعبية بين البلدين، مما استدعى حالة ترقب لما ستؤول إليه الأوضاع.

في قلب العاصمة السنغالية داكار، وتحديداً في شارع محمد الخامس الذي يضم العديد من التجار المغاربة، شهدت الشوارع انتشاراً لحافلات الشرطة السنغالية، مما يعكس حالة التأهب التي تلت قرار الكاف. وعلى الرغم من عدم تسجيل حوادث تذكر، إلا أن الأجواء مشوبة بقلق متزايد لدى بعض المراقبين والمقيمين، وسط دعوات لمقاطعة المنتجات المغربية والتساؤلات حول شفافية القرار.

أزمة اللقب الأفريقي: نقطة تحول في العلاقات الثنائية

تُعد قضية سحب لقب بطولة كأس أمم أفريقيا من السنغال، ومنحه لاحقاً للمغرب، الشوكة الأبرز التي أثرت على العلاقات. فقد قررت لجنة الاستئناف في الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، في 17 مارس/آذار، سحب اللقب من السنغال بدعوى مغادرة لاعبي المنتخب لأرض الملعب لفترة عقب احتساب ركلة جزاء لصالح المغرب. ولم يمر هذا القرار مرور الكرام، حيث ظهر الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي رفقة الكأس في اليوم التالي، بينما تقدمت السنغال بطعن أمام محكمة التحكيم الرياضية (كاس).

ورغم أن المناخ الحالي لا يرقى إلى مستوى الأزمة الدبلوماسية التي شهدها البلدان في عام 2008، والتي تضمنت استدعاء السفراء وتبادلها على خلفية دعم المعارضين السنغاليين لقضية الصحراء الغربية، إلا أن الدعوات عبر شبكات التواصل الاجتماعي لمقاطعة المنتجات المغربية، والمطالبة السنغالية بفتح تحقيق دولي بشأن “شبهات فساد داخل الهيئات القيادية للاتحاد الأفريقي للعبة”، تحمل مؤشرات على تصاعد التوتر.

اتهامات بالفساد والتأثير على العلاقات

يشير مسؤولون رياضيون مغاربة إلى أن الوثيقة الرسمية السنغالية التي تحدثت عن الفساد، ومن ورائها الإيحاء بأن المغرب هو الطرف المتورط، قد تترك تداعيات سلبية على العلاقات. وتُضاف إلى ذلك اتهامات بأن بعض المسؤولين السنغاليين يلمحون إلى سيطرة المغرب على الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، مما يثير حفيظة الدوائر الرسمية والشعبية في المغرب.

ومن بين نقاط التوتر الأخرى، احتجاز السلطات المغربية لـ 18 مشجعاً سنغالياً منذ أكثر من شهرين. هؤلاء المشجعون حُكم عليهم بالسجن لفترات تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنة بتهمة “الشغب” بعد محاولتهم اقتحام أرض الملعب عقب قرار احتساب ركلة جزاء للمغرب. وقد أُجّل النظر في استئناف الأحكام الصادرة بحقهم مرتين، مما يزيد من القلق السنغالي حول مصير هؤلاء المشجعين، الذين يعتبرهم البعض “رهائن” بيد المغرب.

وقد أعرب رئيس الوزراء السنغالي، عثمان سونكو، عن أسفه إزاء إدانة هؤلاء المشجعين، معتبراً أن القضية تجاوزت الإطار الرياضي، وهو أمر مؤسف بالنسبة لبلدين يعلنان صداقتهما. وأشار إلى أن الأمور لم يكن يفترض أن تصل إلى هذا الحد بين المغرب والسنغال.

عمق الروابط التاريخية والدينية: ركائز صمود العلاقات

على الرغم من التحديات الحالية، لا تزال علاقة المغرب بالسنغال توصف بأنها “فريدة وخاصة واستثنائية”. يرجع الباحثون هذه العلاقة المتينة إلى خصوصيتها التاريخية والشعبية. فالمغرب كان دائماً البلد الأفريقي الوحيد الذي قامت علاقاته الدبلوماسية مع السنغال على أساس عاطفي وبُعد شعبي، إلى جانب العلاقات المؤسسية والثنائية.

وتُعد الروابط الدينية عاملاً رئيسياً في صمود هذه العلاقة أمام تغير الأنظمة في السنغال. وتُعد مدينة فاس المغربية وجهة مفضلة للعديد من السنغاليين المنتمين للطريقة التيجانية الصوفية، التي تضم صحراء مؤسسها الشيخ أحمد التيجاني. هذه الروابط الروحية تخلق وشائج عميقة تتجاوز أحياناً الخلافات السياسية أو الرياضية.

التعاون الاقتصادي والمواقف الدولية المشتركة

لم تصدر السلطات المغربية أي تعليق رسمي لافت على قرار لجنة الاستئناف في الكاف، وفضلت غالباً عدم التدخل المباشر في ما وصفته بـ “القصة الكروية”. وكان رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، قد تحدث في أواخر يناير/كانون الثاني عن علاقة “طبيعية ودائمة” مع السنغال، مشيراً إلى أن استثمارات المغرب في السنغال تتجاوز 540 مليون دولار.

تنشط العديد من الشركات المغربية في السنغال في قطاعات حيوية تشمل الصناعات الغذائية، الصيدلة، الطاقة، الأشغال العامة والبناء، المناجم، والبنوك والتأمين. وعلى الصعيد الدولي، تتفق الدولتان في مواقفهما، لا سيما فيما يتعلق بملف الصحراء الغربية.

يُذكر أن السنغاليين يمثلون الجنسية الأولى بين الأجانب المقيمين في المملكة المغربية، بنسبة 18.4% وفقاً للإحصاءات الرسمية، مما يعكس كثافة التبادل البشري والاقتصادي.

نظرة مستقبلية: البحث عن التهدئة وتجاوز الأزمة

تحاول أطراف عديدة من الجانبين، سواء مغربية أو سنغالية، تهدئة المناخ العام ونزع فتيل الغضب الذي يبديه المتحمسون على وسائل التواصل الاجتماعي، الذين ينشرون أحياناً أخباراً زائفة وإهانات. ويؤكد وزراء خارجية سنغاليون سابقون أن “مائة دقيقة من كرة القدم لن تسيء أبداً إلى ألف عام من العلاقات”، مشددين على الأهمية الاستراتيجية للعلاقات الثنائية.

يبقى التطور القادم في قضية المشجعين السنغاليين وتطورات الطعن المقدم لمحكمة التحكيم الرياضية (كاس) من قبل السنغال، هي المؤشرات الأبرز التي سيتحدد على ضوئها مسار العلاقات بين البلدين في الفترة القادمة. يبقى الأمل معقوداً على أن تتجاوز الصداقة العريقة بين الشعبين، والروابط التاريخية والاقتصادية، أي خلافات رياضية أو سياسية عابرة.

شاركها.