أنهت سندات منطقة اليورو، وخاصة الألمانية، سلسلة انخفاضات استمرت ثلاثة أيام، حيث تزايدت توقعات رفع أسعار الفائدة وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. فقد ألقت تصريحات الرئيس الأميركي الأخيرة بظلالها على الآمال في تهدئة الصراع، مما دفع المتداولين إلى إعادة تقييم مخاطر التضخم وكيفية استجابة البنوك المركزية.
يشير هذا التحول في معنويات السوق إلى نهاية فترة من الهدوء النسبي، دفعها في البداية توقعات بتجنب تصعيد عسكري كبير. لكن الخطاب الأخير للرئيس الأميركي بشأن إيران، إلى جانب تصريحات المسؤولين الإيرانيين، قد أعاد المخاطر الجيوسياسية إلى الواجهة، مما يؤثر مباشرة على أسواق السندات والرهانات على سياسات البنوك المركزية.
تأثير التوترات الجيوسياسية على سندات منطقة اليورو
شهدت عوائد سندات منطقة اليورو، ولا سيما السندات الألمانية التي تُعتبر مؤشراً رئيسياً، انتهاء فترة من الانخفاض استمرت لثلاثة أيام. جاء هذا الانعكاس يوم الخميس بعد أن عززت المخاوف المتعلقة بالتصعيد في الشرق الأوسط توقعات رفع أسعار الفائدة. فقد تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشن ضربات أكثر شراسة على إيران، في حين أكد مسؤولون إيرانيون استمرار بلادهم في الحرب حتى تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل “ندماً دائماً واستسلاماً”.
وفقاً لوكالة “رويترز”، دفعت هذه التطورات أسعار النفط إلى الارتفاع منذ بداية شهر مارس، مما زاد من المخاوف بشأن التضخم المستقبلي. ونتيجة لذلك، رفعت أسواق المال توقعاتها لأسعار الفائدة، حيث تراقب الأسواق عن كثب قرارات البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية الأخرى. وتشير التوقعات إلى بلوغ سعر فائدة تسهيلات الإيداع لدى البنك المركزي الأوروبي 2.73% بنهاية العام، مقارنة بـ 2.68% المسجلة في وقت متأخر من يوم الأربعاء، بينما يبلغ السعر الحالي 2%.
وعلى الرغم من أن ارتفاع عوائد السندات الألمانية يعكس تغييراً في الزخم، إلا أن تكاليف الاقتراض لا تزال في طريقها لتسجيل أول انخفاض أسبوعي لها منذ بداية الصراع. جاء هذا التحول الأولي نتيجة لتخفيض المستثمرين لرهاناتهم على رفع أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي، مدفوعين بتوقعات سابقة حول نهاية سريعة للصراع. ارتفع عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات بمقدار 3 نقاط أساس ليصل إلى 3.03%، بعد أن كان من المتوقع أن يسجل انخفاضاً أسبوعياً قدره 7 نقاط أساس. وتجدر الإشارة إلى أن هذه العوائد كانت قد بلغت 3.13% يوم الجمعة الماضي، وهو أعلى مستوى منذ يونيو 2011.
وفي هذا السياق، علق كريس أتفيلد، محلل الاستثمار في قسم الأبحاث العالمية لدى بنك “إتش إس بي سي”، قائلاً: “مع مرور الوقت، يبدو السيناريو (الجيد) الذي يتم فيه تجنب رفع أسعار الفائدة أكثر تفاؤلاً”. وأضاف أتفيلد: “مع القلق الواضح من جانب متحدثي البنك المركزي الأوروبي بشأن الآثار الجانبية، بمن فيهم شخصيات داعمة للسياسة النقدية مثل فابيو بانيتا، من المحتمل أن يأتي أول رفع لسعر الفائدة في أقرب وقت ممكن، ربما في 30 أبريل”.
من جانبه، أشار بانيتا إلى المخاطر المحتملة على الاستقرار المالي، مؤكداً على أهمية عدم السماح لزيادة التكاليف والأسعار بإحداث آثار جانبية على الأجور، خصوصاً في ظل البيئة الجيوسياسية غير المستقرة الحالية. وفي مؤشر آخر على حساسية السوق لتوقعات أسعار الفائدة، ارتفعت عوائد السندات الألمانية لأجل عامين، الأكثر تأثراً بهذه التوقعات، بمقدار 4.5 نقطة أساس لتصل إلى 2.65%، بعد أن كانت في طريقها لتسجيل انخفاض أسبوعي قدره نقطتان أساسيتان.
تفاوت العائدات في إيطاليا تحت الضغط
كما شهدت عوائد السندات الحكومية الإيطالية لأجل 10 سنوات ارتفاعاً بمقدار 8 نقاط أساس لتصل إلى 3.93%، وذلك بعد أن كانت قد بلغت 4.142% يوم الجمعة الماضي، وهو ما يمثل أعلى مستوى لها منذ يوليو 2024. وقد بلغ الفارق في العائد بين السندات الإيطالية والألمانية 89 نقطة أساس، بعد أن كان 63 نقطة أساس قبل بدء الحرب، حيث انخفض لاحقاً إلى 53.5 نقطة أساس في منتصف يناير، مسجلاً أدنى مستوى له منذ أغسطس 2008.
تُعد إيطاليا، نظراً لحجم دينها العام الكبير، معرضة بشكل خاص لارتفاع أسعار الفائدة، مما يزيد من تكلفة خدمة ديونها. وفي تعليق على هذا الوضع، قال أتفيلد: “نتجه نحو نظرة تشاؤمية طفيفة تجاه السندات غير الأساسية، وتحديداً إيطاليا، ونتوقع أن يصل فارق العائد بين السندات الإيطالية والألمانية لأجل 10 سنوات إلى 100 نقطة أساس بنهاية الربع الثاني، وقد يرتفع إلى 140 نقطة أساس في حال حدوث سيناريو معاكس، حيث يصبح تدخل البنك المركزي الأوروبي باستخدام أداة حماية العائدات خياراً مطروحاً”.
وفي مؤشر آخر يعكس التفاوت في اتجاهات العائدات، بلغ فارق العائد الفرنسي على السندات الألمانية 71 نقطة أساس، بعد أن كان 58 نقطة أساس قبل النزاع.
تظل الأسواق الآن تترقب بشكل وثيق أي تطورات إضافية في الشرق الأوسط، وكذلك أي إشارات جديدة من البنك المركزي الأوروبي بشأن مسار أسعار الفائدة. وسيكون التركيز المباشر على البيانات الاقتصادية القادمة، وتحديداً أرقام التضخم، لتقييم التأثير الحقيقي للتغيرات الجيوسياسية على الأداء الاقتصادي لمنطقة اليورو.
