تُشكّل الحرب في إيران تهديدًا خطيرًا للأمن الغذائي العالمي، مع ارتفاع أسعار الأسمدة بشكل كبير. شهدت الأسواق العالمية ارتفاعًا في أسعار الأسمدة المعدنية بنحو 40% منذ بداية العام، مما يضع ضغوطًا متزايدة على المزارعين ويُنذر بارتفاع أسعار الغذاء على نطاق عالمي.

وقد تسبب التوتر الأمني في وقف إنتاج أكبر مصنع لليوريا في العالم تابع لشركة «قطر للطاقة»، وذلك إثر تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآتها للغاز الطبيعي المسال. وتواجه دول رئيسية مثل مصر والهند صعوبات في توفير الأسمدة النيتروجينية، مما ينذر بتأثيرات واسعة النطاق على الإنتاج الزراعي العالمي.

الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار الأسمدة تغذيان المخاوف من أزمة غذاء عالمية

يتكرر المشهد الذي شهدته الأسواق العالمية في فبراير 2022، حيث تقترب أسعار الأسمدة النيتروجينية من مستوياتها القياسية التي سجلتها في بداية الحرب الروسية الأوكرانية. وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن ارتفاع أسعار الأسمدة يؤثر بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج الزراعي، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فقد تشهد الأسواق الأوروبية ارتفاعًا في أسعار المنتجات النهائية.

إنتاج الأسمدة يعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام، ويمثل الطاقة ما يصل إلى 70% من تكاليف الإنتاج. ولهذا السبب، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط، وهي منطقة تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية للأسمدة، خاصة عبر مضيق هرمز الذي شهد قيودًا كبيرة منذ بدء الصراع.

وقد أدى إغلاق مضيق هرمز شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج، مما تسبب في إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها. وتأتي هذه التطورات في وقت يستعد فيه المزارعون في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، مما يقلل من هامش المناورة والتأخير.

أوروبا بين تأثيرات الحرب القيود التجارية

على الرغم من المخاوف، فإن التأثيرات المباشرة على المستهلكين في أوروبا لا تزال محدودة حتى الآن. ويعود ذلك جزئيًا إلى أن العديد من المزارعين الأوروبيين قد قاموا بشراء أسمدتهم لفصل الربيع قبل بدء الحرب. ومع ذلك، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة من شأنه أن يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، ومن ثم ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية.

ويُعد الغاز الطبيعي العامل الرئيسي في تحديد تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين، حيث يشكل ما بين 80% و90% من هذه التكاليف. وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع أسعار الأسمدة تلقائيًا. وإذا اضطر المزارعون إلى تقليل كميات الأسمدة المستخدمة، فإن ذلك يؤدي إلى انخفاض المحاصيل.

تُشير الدراسات إلى أن نحو 48% من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية. ويمر ثلث اليوريا المتداولة عالميًا و20% من الأمونيا عبر مضيق هرمز، مما يجعل أي اضطراب في هذه المنطقة ذو تأثير كبير على الإمدادات الغذائية العالمية. وعلى الرغم من أن أوروبا لا تستورد الأسمدة حاليًا من منطقة الصراع المباشر، إلا أن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تظل ملموسة، وتؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وفي ظل هذه التحديات، تدعو الصناعات الزراعية في ألمانيا إلى تعزيز الإنتاج المحلي وفرض رسوم جمركية أعلى على بعض الواردات، مثل البوتاس الروسي. وتهدف هذه الإجراءات إلى تقليل الاعتماد على الواردات الروسية وتعزيز القدرة الذاتية للاتحاد الأوروبي.

نصف غذاء العالم يعتمد على الأسمدة

يعتمد حوالي نصف غذاء العالم على الزراعة باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات سيكون له تداعيات واسعة على توفر الغذاء على مستوى العالم. وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50% من تكلفة إنتاج الحبوب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين، مثل اليوريا، أهمية خاصة على المدى القريب، حيث يمكن أن تتأثر المحاصيل بشكل كبير إذا لم يتم استخدامها لموسم واحد. وتواجه السوق العالمية لليوريا حاليًا نقصًا في الإمدادات، بعد أن اضطرت أوروبا إلى خفض الإنتاج بسبب توقف إمدادات الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيودًا على صادرات الأسمدة لضمان الإمدادات المحلية.

ورغم أن التأثيرات المباشرة على غالبية المزارعين الألمان محدودة حاليًا بسبب وجود كميات كافية في المخازن، إلا أن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة. وتفاقم هذا الوضع بسبب انخفاض أسعار المنتجين، خاصة بالنسبة للحبوب، مما يضع ضغطًا كبيرًا على سيولة المزارع.

وتظل التحديات المتعلقة بتوفر الكميات وتطور الأسعار قائمة، خاصة للمزارع التي لم تؤمن احتياجاتها مبكرًا. وتشكل هذه الظروف عبئًا ماليًا كبيرًا في ظل ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج وضعف العوائد، مما يزيد من حدة الوضع الاقتصادي ويضغط على المزارع.

شاركها.