حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

تتزايد المخاوف بشأن الأمن الغذائي العالمي مع تفاقم الأزمة الحالية التي تشهدها أسواق الأسمدة، حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية بنحو 40 في المائة منذ بداية العام، مدفوعة بالتوترات الجيوسياسية وأثرها على سلاسل التوريد الحيوية. وتتأثر دول رئيسية منتجة للأسمدة، مثل قطر ومصر والهند، بتعليق الإنتاج أو خفضه بسبب اضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي، مما يضع ضغوطاً متزايدة على المزارعين حول العالم مع اقتراب موسم الزراعة الربيعي.

يشبه الوضع الحالي الاضطرابات التي شهدتها أسواق الأسمدة في أوائل عام 2022، مع اقتراب أسعار الأسمدة النيتروجينية العالمية من مستويات قياسية. ورغم أن المستهلكين الأوروبيين لم يشعروا بتأثير مباشر بعد، إلا أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار المنتجات الزراعية في ألمانيا ودول أخرى. تعتمد صناعة الأسمدة بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام أساسية، وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج، مما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الطاقة والتوريد.

تأثير الصراعات على سلاسل توريد الأسمدة

تنتقل ثلث التجارة العالمية في الأسمدة عبر مضيق هرمز، الذي شهد اضطرابات كبيرة جراء الأوضاع الأمنية المتصاعدة. وقد أدى هذا إلى توقف جزئي أو كلي للإنتاج في العديد من منشآت إنتاج الأسمدة في منطقة الشرق الأوسط، وذلك في وقت يستعد فيه المزارعون في نصف الكرة الشمالي لموسم الزراعة الربيعية. وهذا التوقيت الحرج لا يترك مجالاً كبيراً للتأخير في الحصول على الأسمدة اللازمة.

وعلى الرغم من المخاوف التي كانت سائدة قبل أربعة أعوام بشأن الأمن الغذائي، إلا أن الوضع لم يكن كارثياً كما كان متوقعاً، جزئياً بسبب قدرة روسيا، وهي منتج رئيسي للأسمدة، على زيادة صادراتها خلال حرب أوكرانيا. لكن الوضع تغير الآن مع فرض أوروبا لزيادات جمركية تدريجية على الأسمدة النيتروجينية الروسية. وفي سياق متصل، قال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية أن أسعار الغاز تحدد ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين، مما يعني أن ارتفاع أسعار الغاز يؤدي مباشرة إلى ارتفاع أسعار الأسمدة.

في حال انخفاض استخدام المزارعين للأسمدة نتيجة لارتفاع أسعارها، فإن ذلك سينعكس سلباً على حجم المحاصيل المنتجة. وأظهرت دراسة أجريت عام 2008 أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون على الأسمدة المعدنية في غذائهم.

أوروبا بين تحديات الإنتاج وتأثيرات الحرب

يمثل مضيق هرمز ممراً حيوياً لنحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً وحوالي 20 في المائة من الأمونيا. وعلى الرغم من أن التأثيرات المباشرة على أوروبا تبدو محدودة حالياً، حيث أن أوروبا لا تستورد تقريباً أي أسمدة من مناطق الصراع منذ سنوات، إلا أن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تظل ملموسة. يمكن تغطية حوالي 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس، لكن اضطراب إمدادات الطاقة يؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية بشكل عام.

سبق أن أدى الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا إلى إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولهذا تدعو الصناعات الزراعية في ألمانيا إلى تعزيز الإنتاج المحلي، وتطالب بفرض رسوم جمركية أعلى على البوتاس الروسي. يرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية أن الرسوم الجمركية هي أداة فعالة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها، وذلك لدعم القدرة الذاتية. جدير بالذكر أن روسيا قامت بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

حتى الآن، تظل تأثيرات الأزمة الحالية على غالبية المزارعين الألمان محدودة، حيث تم تأمين حوالي 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة لدى المزارعين مباشرة. ومع ذلك، يواجه المزارعون الذين يضطرون للشراء الآن تكاليف مرتفعة، بالإضافة إلى تحديات في توفر الكميات اللازمة. ويؤدي ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد، خاصة بالنسبة للحبوب، إلى تفاقم الوضع الاقتصادي والضغط على سيولة المزارع.

نصف غذاء العالم يعتمد على الأسمدة

تشير تقديرات إلى أن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات سيكون له تداعيات واسعة على توفر الغذاء العالمي. وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وقد حذرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول منخفضة الدخل كانت تعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الأزمة الحالية.

تكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين، مثل اليوريا، أهمية خاصة على المدى القريب، حيث يمكن أن تتأثر المحاصيل بشكل كبير إذا لم يستخدمها المزارع لموسم واحد. على النقيض من ذلك، يكون التأثير أقل في حالة الأسمدة الأخرى مثل الفوسفات والبوتاس. وكانت السوق العالمية لليوريا تعاني بالفعل من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، نتيجة لخفض أوروبا لإنتاجها بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرض الصين قيوداً على صادرات الأسمدة لضمان الإمدادات المحلية.

شاركها.