«سيسكو»: السيادة والثقة تقودان تحول الذكاء الاصطناعي في السعودية
لم يعد الذكاء الاصطناعي في السعودية مجرد طموح نظري، بل أصبح واقعاً ملموساً يبنى ليوم غدٍ مشرق. فالحكومة السعودية بالتعاون مع شركاء عالميين كـ«سيسكو» تعزز استثماراتها في البنى التحتية للذكاء الاصطناعي، مع التركيز على السيادة الرقمية وتوطين البيانات، مما يمهد الطريق لعصر جديد من الابتكار والنمو الاقتصادي autonomous agents.
قال مهند أبو عيسى، المدير التنفيذي لهندسة الحلول المتطورة والرئيس التنفيذي للتقنية لـ«سيسكو» في الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا ورومانيا ورابطة الدول المستقلة، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن السعودية تشهد حالياً تحولاً هيكلياً جذرياً، حيث انتقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة الاختبار إلى النشر واسع النطاق. يأتي هذا التوجه تزامناً مع توسع كبير في مراكز البيانات وتحول نحو الحوسبة السيادية، مما يجعل الذكاء الاصطناعي أولوية وطنية استراتيجية، ويعاد تصميم الشبكات لتستوعب أحمال العمل المتزايدة.
السيادة كخيار استراتيجي لبناء الذكاء الاصطناعي
تُبنى البنية التحتية السيادية للذكاء الاصطناعي لتكون ركيزة أساسية في التنافسية الوطنية. وفي السعودية، تتلاقى متطلبات توطين البيانات، والسيطرة على البنى التحتية، والحوسبة المحلية مع مستهدفات «رؤية 2030»، الهادفة إلى التنويع الاقتصادي وتحقيق الاستقلال الرقمي. ويجسد هذا التوجه مشروع مشترك بين «سيسكو» و«هيوماين» و«AMD»، يهدف إلى تطوير ما يصل إلى واحد غيغاواط من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، مع البدء بنشر قدرة تبلغ 100 ميغاواط في المرحلة الأولى داخل المملكة.
سيجمع المشروع، الذي يتوقع أن يبدأ عملياته في عام 2026، بين مراكز بيانات «هيوماين» الحديثة، ووحدات معالجة الرسوميات من طراز «AMD Instinct MI450»، وحلول البنية التحتية الحيوية من «سيسكو». وتشير الخطط إلى التوسع نحو غيغاواط كامل بنهاية العقد. لكن بالنسبة لأبو عيسى، فإن مفهوم السيادة لا يقتصر على القدرة الكهربائية، بل يشمل أيضاً تعزيز التعاون المفتوح وبناء منظومات ذكاء اصطناعي موثوقة. وأكد أبو عيسى التزام «سيسكو» ببناء بنية تحتية آمنة، موثوقة، وعالية الأداء لعصر الذكاء الاصطناعي، مشدداً على أن السيادة تتعلق بكيفية حماية البيانات وإدارتها وضمان مرونتها، وليس فقط بمكان وجودها.
الثقة في مقدمة أولويات الانتشار
مع الانتشار المتزايد لوكلاء الذكاء الاصطناعي، أي الأنظمة القادرة على اتخاذ قرارات مستقلة وتنفيذ مهام محددة، تبرز المخاوف الأمنية بشكل ملحوظ، لا سيما في القطاعات الحساسة مثل البنوك والجهات الحكومية. يعتبر أبو عيسى أن السلامة والأمن هما شرطان أساسيان لاعتماد الذكاء الاصطناعي، وأن وكلاء الذكاء الاصطناعي يطرحون تحديات جديدة تماماً.
لمواجهة هذه التحديات، عززت «سيسكو» حلول «Cisco AI Defense» ومنصة «Secure Access Service Edge (SASE)». تهدف هذه الحلول إلى تمكين المؤسسات من اكتشاف حركة بيانات الذكاء الاصطناعي وتحسينها في الوقت الفعلي، وتحليل الرسائل الوكيلية عبر آليات فحص مدركة للسياق، فضلاً عن حماية الاتصالات بتقنيات التشفير المقاوم للحوسبة الكمومية.
ويوضح أبو عيسى: «من خلال دمج الأمن في صميم الشبكة، نتيح للمؤسسات نشر وكلاء ذكاء اصطناعي سريعين ومرنين، والأهم من ذلك، محصنين ضد الأنشطة غير المصرح بها». في سياق يتزايد فيه الاعتماد على السيادة الرقمية، تصبح الثقة مكوناً لا يقل أهمية عن الأداء.
توقعات الحوكمة تتصاعد مع التوسع
يتطور الإطار التنظيمي في السعودية لمواكبة التوسع في مجال الذكاء الاصطناعي. تؤكد السياسات الوطنية أن الابتكار في هذا المجال يجب أن يرتكز على المساءلة والشفافية والاستخدام المسؤول للبيانات. يؤكد أبو عيسى أن «الجهات التنظيمية والاستراتيجيات الوطنية في المنطقة باتت واضحة في أن الابتكار في الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون مرتكزاً إلى المساءلة والشفافية».
وتشير دراسة حديثة لـ«سيسكو» حول البيانات والخصوصية في السعودية إلى أن 92% من المؤسسات قد وسعت برامج الخصوصية لديها لدعم التوسع المسؤول في الذكاء الاصطناعي، وتخطط للاستثمار بشكل أكبر في المستقبل. ويرى 97% من المشاركين في الدراسة أن الأطر القوية لحماية البيانات ضرورية لتعزيز الابتكار وبناء الثقة.
ويشدد أبو عيسى على أن «حوكمة البيانات هي الأساس الذي يقوم عليه الذكاء الاصطناعي الموثوق، وليست مجرد متطلب امتثال». لذلك، تُدمج ممارسات مثل إدارة دورة حياة البيانات، وتصنيفها، وتقليلها، وضبط الوصول إليها، وإمكانية تدقيقها، ضمن بنية الذكاء الاصطناعي، مدعومة بمبادئ «الثقة الصفرية».
فجوة الاستعداد أمام تحديات الذكاء الاصطناعي
على الرغم من الطموح الكبير، لا تزال الجاهزية الكاملة لاعتماد الذكاء الاصطناعي تمثل تحدياً. يظهر مؤشر «جاهزية الذكاء الاصطناعي» لعام 2025 من «سيسكو» أن 61% من المؤسسات لديها خارطة طريق واضحة للذكاء الاصطناعي، إلا أن 16% فقط مستعدة فعلياً للنشر. ينوه أبو عيسى إلى أن «الحماس موجود، لكن فجوة البنية التحتية حقيقية».
وتزداد أهمية هذا التحدي مع التخطيط لاعتماد وكلاء الذكاء الاصطناعي؛ إذ تشير بيانات «سيسكو» إلى أن 92% من المؤسسات تخطط لاستخدامهم، مما يعني تضاعف حركة البيانات على الشبكات. ويؤكد أبو عيسى على أهمية «تحديث الشبكات الآن، حتى لا تتحول إلى عنق زجاجة يعيق الابتكار». ولمواجهة ذلك، طرحت «سيسكو» شريحة «Silicon One G300» بقدرة تحويل تصل إلى 102.4 تيرابت في الثانية، بهدف تقليل وقت إنجاز مهام الذكاء الاصطناعي بنسبة 28% وتحسين كفاءة الطاقة بنحو 70% مقارنة بالأجيال السابقة عند استخدامها مع أنظمة التبريد السائل.
الانتقال من التعقيد إلى المنصات الموحدة
يشير أبو عيسى إلى أن التعقيد التشغيلي يمثل تحدياً آخر، موضحاً: «العملاء يعانون التعقيد، ويبحثون بشكل متزايد عن نهج قائم على المنصات المتكاملة». يهدف التحول نحو «منصات موحدة» إلى دمج الشبكات والأمن والرصد في إطار واحد مدعوم بالذكاء الاصطناعي، مما يتيح رؤية شاملة، وتوقع الأعطال قبل حدوثها، والاستجابة للتهديدات بسرعة الآلة.
ومع ذلك، فإن الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات لا تكفي وحدها، فتنمية رأس المال البشري تعد عنصراً حاسماً. من خلال «أكاديمية سيسكو للشبكات» التي دربت أكثر من 480 ألف متعلم في السعودية، مع التزام بتدريب 500 ألف آخرين خلال خمس سنوات، إضافة إلى «معهد سيسكو للذكاء الاصطناعي» في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، تسعى الشركة إلى مواءمة البنية التحتية مع تنمية المهارات. سيركز المعهد الجديد على أبحاث الذكاء الاصطناعي التطبيقية، والبنية التحتية المتقدمة للحافة الرقمية، وأنظمة النقل الذكية، وحلول الطاقة والمياه والصحة.
إذا كان العقد الماضي هو عقد الحوسبة السحابية، فإن العقد المقبل قد يكون عقد البنية التحتية السيادية للذكاء الاصطناعي. ويختتم أبو عيسى حديثه بالتأكيد على أن التحولات التي سيقودها الذكاء الاصطناعي تتطلب توسعاً غير مسبوق في الطاقة والحوسبة والشبكات، مع دمج الثقة والسلامة والأمن في كل طبقة.
