يستكشف الفيلم الفلبيني الجديد “كبرتُ بوصةً عندما مات أبي” العلاقة المعقدة بين شقيقين بعد مقتل والدهما، والصداقة غير المتوقعة التي تنشأ مع ابن قاتل والدهما. تم عرض الفيلم لأول مرة عالمياً في مهرجان روتردام السينمائي وحصد جائزة نتباك (NETPAC) لأفضل فيلم آسيوي، مسلطاً الضوء على قدرة الأطفال على تجاوز الفقد والأحداث المؤلمة.
المخرج الفلبيني بي. آر. مونينسيلو باتيندول، في أول تجاربه الروائية الطويلة، يبدأ رحلته السينمائية من سؤال إنساني عاطفي: ما الذي يبقى للأطفال بعد فقدان آبائهم؟ الفيلم لا يركز على فعل القتل بحد ذاته، بل على التأثير العميق لهذه الفاجعة على نفسية الشقيقين، وتوازنهما بين واقع جديد ومعقد، وحرية ملتبسة، وصداقة تبدو مستحيلة مع ابن الرجل الذي قتل والدهما.
“كبرتُ بوصةً عندما مات أبي”: قصة صداقة مستحيلة تنبع من الفقد
في حديث لـ”الشرق الأوسط”، أوضح باتيندول أن فيلمه لم ينشأ من فكرة صنع فيلم عن جريمة، بل من تساؤل بسيط حول الصداقة وقدرة الأطفال على تحمل ما يفوق قدرة الكبار. ويضيف باتيندول أن الفكرة بدأت تتشكل خلال تصوير فيلمه القصير السابق، عندما عاد إلى بلدته في جزيرة ليتي بعد غياب دام عقدين، مدفوعاً برغبة في استعادة ذكريات المكان الذي نشأ فيه.
خلال فترة الإغلاق بسبب جائحة “كورونا” في مانيلا، بدأ المخرج بتجربة كاميرا هاتفه المحمول، مصوراً تفاصيل حياته اليومية في شقته، معلماً أنه إذا عاد إلى بلدته، فلن يملك أدوات تصوير سوى هاتفه. في عام 2021، عاد فعلاً إلى مسقط رأسه، ليجد نفسه غريباً في مكانه الأول. بمساعدة والديه، بدأ يجمع شباب البلدة الذين أبدوا اهتماماً بالسينما.
بدأ الفريق بخمسة أشخاص، وكانوا يتجمعون يومياً لساعتين أو أربع ساعات على ضفة النهر، ينتظرون الغروب، ويتسلقون سفوح الجبال. لم يكن هناك سيناريو مكتوب، فقط فكرة عامة وإيمان بأن الشرارة ستأتي. وجاءت هذه الشرارة بالصدفة، عندما لاحظ باتيندول أن بعض أفراد فريقه كانوا يضايقون صبياً كان يسبح في النهر. وعندما استفسر عن السبب، قيل له إن هذا الطفل هو ابن رجل قتل آخر في شجار بين أبَوين مخمورين خلال الجائحة.
ما أثار دهشة المخرج هو أن ابن القتيل كان يلعب في نفس المكان، وأن الصبيين ظلت صداقتهما قوية رغم الدم الذي يفصل بين عائلتيهما. هذا المشهد المثير للتفكير ظل يلاحق باتيندول، جعله يتساءل عن إمكانية استمرار الصداقة في ظل إرث من العنف. ومن هنا، كما أكد، بدأ الفيلم “كبرتُ بوصةً عندما مات أبي” بالنمو والتطور.
نهج فني يعتمد على الحرية والتجريب
لم يكن اهتمام المخرج بإعادة تمثيل الجريمة، بل بتصوير ما تبعها: الصمت، والغضب، والحيرة، والشعور بالذنب الذي قد يشعر به الأبناء بسبب أفعال آبائهم. وقد تعمد باتيندول عدم الخوض في تفاصيل القصة الحقيقية مباشرة، احتراماً للضحايا وعائلاتهم، واختار خلق قصة مستقلة تنبع من السؤال ذاته.
في الموقع، كان باتيندول هو صانع الأفلام المحترف الوحيد. معظم الممثلين وأفراد الطاقم كانوا من أبناء بلدته. لم يتبعوا نظام تصوير تقليدي، بل اعتمدوا على اللعب والتجريب، دون ضغط لإنجاز عدد محدد من المشاهد يومياً. هذا الغياب للضغط، حسب قوله، جعل التحديات تبدو أقل حدة، حيث لم يكن هناك سباق مع الوقت أو السوق، بل انتظار للحظة الصادقة.
أكثر الصعوبات التي واجهتهم كانت تقلبات الطقس المفاجئة، التي كانت تؤثر على استمرارية الإضاءة. لكن المخرج كان يفضل التوقف والانتظار للحفاظ على سلامة الجميع، خاصة الأطفال. في حالات كثيرة، كان يسمح لهم باللعب تحت المطر أو السباحة، ثم يحول هذه اللحظات الطبيعية إلى مادة بصرية داخل الفيلم، مؤكداً أن روح العمل تقوم على الحرية.
في اختيار الممثلين، فكر باتيندول أولاً في توأمين لأداء دوري الشقيقين، لكنه لم يجد من يتوافق مع رؤيته. تذكر بعدها طفلاً شاهده يلعب تحت المطر في النهر، ورغم صغر سنه، تحمس لاختياره. انضم إليه لاحقاً قريبه وصديقه، ليتحول الفيلم إلى مبادرة مجتمعية حقيقية.
فيما يخص صناعة السينما المستقلة في الفلبين، أقرّ بأنها تتسم بالكثير من المشقة. الحصول على تمويل ليس بالأمر السهل نظراً لمحدودية المنح وكثرة صناع الأفلام. لذلك، أنتج الفيلم على نفقته الخاصة بمساعدة والديه، قبل أن يحصل على دعم في مرحلة ما بعد الإنتاج.
آفاق مستقبلية للسينما المستقلة
عن مشاركة الفيلم في مهرجان “تورونتو”، عبر المخرج الفلبيني عن عدم توقعه الاختيار بعد تلقيه اعتذارات عدة من مهرجانات أخرى. لذلك، شكلت رسالة القبول من المهرجان أول خبر سار يصل إليه بعد أشهر من الانتظار، مما دفعه للتأثر بشدة. وأكد أن الفوز بجائزة “نتباك” منح هو وفريقه ثقة بأن هذا النوع من السينما الشخصية يمكن أن يلقى صدى عالمياً.
يقدم الفيلم رؤية فريدة للعلاقات الإنسانية المعقدة، ويفتح الباب للنقاش حول قدرة المرونة البشرية على تجاوز أشد المحن. من المتوقع أن يستمر “كبرتُ بوصةً عندما مات أبي” في المشاركة في مهرجانات سينمائية دولية، مساهماً في تسليط الضوء على مواهب السينما الفلبينية المستقلة.
