بدأت الجولة الثالثة من المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، وسط مساعٍ لتسوية النزاع الممتد حول البرنامج النووي لطهران وتجنب تصعيد عسكري إقليمي، مع إصرار أميركي على إدراج برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية على طاولة التفاوض.
أجرى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مشاورات مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي، قبيل بدء تبادل الرسائل غير المباشرة مع الوفد الأميركي. وقد عقد البوسعيدي اجتماعاً مع مبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في إطار المفاوضات الإيرانية – الأميركية الجارية، بحسب وزارة الخارجية العُمانية.
محادثات جنيف: إيران تبدي «مرونة» وإصرار أميركي على إدراج «الباليستي»
تمحورت المناقشات، التي جرت في مقر السفارة العُمانية بجنيف، حول استعراض مرئيات ومقترحات الجانب الإيراني، وردود واستفسارات الفريق التفاوضي الأميركي بشأن معالجة العناصر الرئيسية لبرنامج إيران النووي، والضمانات اللازمة للتوصل إلى اتفاق شامل.
وأوضح وزير الخارجية العُماني أن المساعي مستمرة بروح بناءة، مع انفتاح المتفاوضين على أفكار وحلول جديدة، بهدف تهيئة الظروف الداعمة للتقدم نحو اتفاق عادل بضمانات قابلة للاستدامة. وتأتي هذه الجولة في أعقاب مناقشات مماثلة أجريت الأسبوع الماضي.
من جانبه، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن المفاوضات ستركز حصراً على الملف النووي ورفع العقوبات عن طهران، مؤكداً على سعي إيران لرفع العقوبات وتأكيد حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
في المقابل، وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو رفض طهران مناقشة برنامجها للصواريخ الباليستية بأنه «مشكلة كبيرة»، مشيراً إلى أن هذه الصواريخ تشكل تهديداً لاستقرار المنطقة. وأوضح أن إحراز تقدم في الملف النووي سيكون صعباً دون معالجة مسألة الصواريخ الباليستية.
كان عراقجي قد ناقش مع نظيره العُماني آخر المستجدات والتوصل إلى اتفاق، حيث عرضت طهران وجهة نظرها واعتباراتها بشأن الملف النووي ورفع العقوبات. وأكدت الخارجية الإيرانية تصميم طهران على اعتماد دبلوماسية تستند إلى النتائج لضمان مصالح الشعب الإيراني والسلام الإقليمي.
أكد عراقجي أن «الاتفاق في متناول اليد.. لكن فقط إذا مُنحت الأولوية للدبلوماسية»، مشدداً على أن إيران لن تتنازل عن حقها في امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية، بينما ترى واشنطن أن تخصيب اليورانيوم يمثل مساراً محتملاً لتطوير سلاح نووي.
ضغوط على إيران من الداخل والخارج
تأتي هذه المحادثات في ظل جهود دبلوماسية إقليمية متزايدة، استأنفت خلالها واشنطن وطهران المفاوضات لإنهاء أزمة دامت عقوداً بشأن البرنامج النووي الإيراني. تعتقد واشنطن ودول غربية أخرى وإسرائيل أن البرنامج يهدف إلى تطوير أسلحة نووية، وهو ما تنفيه طهران.
تتمسك إيران بأن تقتصر المباحثات على الملف النووي، بينما يشدد مسؤولون أميركيون وغربيون على ضرورة أن يشمل أي اتفاق البحث في برنامجها الباليستي ودعمها لجماعات مسلحة.
عرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب مبررات لهجوم محتمل على إيران، مؤكداً تفضيله الحل الدبلوماسي، ولكنه أكد أنه لن يسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي. كما أشار إلى أن «تغيير النظام» في إيران سيكون «الأفضل».
أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أن أي اتفاق يجب أن يضمن نقل كامل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد، و«تفكيك» أي قدرة على التخصيب، بالإضافة إلى معالجة البرنامج الصاروخي.
نشرت الولايات المتحدة قوة عسكرية كبيرة في المنطقة، تشمل طائرات مقاتلة ومجموعات هجومية لحاملات طائرات، في أكبر انتشار لها منذ غزو العراق عام 2003، مما يثير مخاوف من اندلاع صراع أوسع.
حذّر ترمب من «عواقب وخيمة» إذا لم تتوصّل إيران إلى اتفاق خلال 10 إلى 15 يوماً. ورغم طرح طهران لتنازلات جديدة مقابل رفع العقوبات، لا تزال هناك انقسامات عميقة بين الطرفين بشأن نطاق وتسلسل تخفيف العقوبات.
داخلياً، يواجه المرشد الإيراني علي خامنئي أزمة اقتصادية واجتماعية، في ظل العقوبات وتجدد الاحتجاجات. وصرح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن خامنئي أصدر «فتوى تحرّم أسلحة الدمار الشامل»، مما يعني بوضوح أن طهران لن تصنع أسلحة نووية.
وأوضح علي شمخاني، مستشار المرشد الإيراني، أن التوصل إلى اتفاق فوري «في متناول اليد» إذا كان جوهر المفاوضات يتمثل في التزام إيران بعدم تصنيع سلاح نووي، وهو ما ينسجم مع فتوى المرشد ومع العقيدة الدفاعية لإيران.
تؤكد القيادة الإيرانية أن برنامجها النووي يظل ضمن حدود معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وأنها ملتزمة بالأنشطة النووية المدنية. لكن يحيط غموض كبير بمصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة.
يبقى مصير المحادثات مرهوناً بقدرة الطرفين على تجاوز الخلافات حول برنامج الصواريخ الباليستية وضمانات البرنامج النووي، مع ترقب أي تطورات خلال الأيام القادمة.
