يشهد شهر رمضان المبارك زيادة ملحوظة في أعداد المترددين على العيادات النفسية، وذلك نتيجة لاختلال الساعة الحيوية للجسم الناجم عن تغير أنماط النوم، حيث يؤدي السهر وقلة النوم أو النوم المتقطع إلى شعور واسع بالتوتر، الصداع، وتقلب المزاج. يحذر الأطباء من عادات مثل السهر الممتد، تناول المنبهات مساءً، والوجبات الثقيلة والحلويات، مؤكدين على أهمية تحسين جودة النوم خلال هذا الشهر الفضيل من خلال أربعة محاور رئيسية: توفير بيئة نوم مناسبة، تنظيم أوقات النوم والاستيقاظ بشكل ثابت، انتقاء الأطعمة والمشروبات بعناية، وممارسة الرياضة الخفيفة. وتتجسد علامات اضطراب النوم النوم في رمضان في ضعف التركيز، تقلب المزاج، العصبية، وانخفاض القدرة على تحمل الضغوط.
تأثير تغيرات رمضان على أنماط النوم
وفقًا للدكتورة هالة الأبلم، استشارية الصحة النفسية والأسرية، يغير رمضان “بيئة النوم” عبر أربعة محركات رئيسية. أولاً، يحدث تأخير في وقت النوم والاستيقاظ بسبب السحور، صلاة القيام، والتجمعات الليلية. ثانيًا، يتجزأ النوم ليصبح أقصر ليلاً مع قيلولات متفرقة خلال النهار. ثالثًا، يتغير توقيت تناول الوجبات، حيث قد تؤدي الوجبات الكبيرة المتأخرة إلى تأخير النعاس وزيادة مشاكل الارتجاع والحرقة. ورابعًا، تتعدد المنبهات المسائية التي تشمل الكافيين بعد الإفطار، النيكوتين، التعرض للشاشات والإضاءة القوية، مما يؤخر إفراز هرمون الميلاتونين الضروري للنوم.
وتشمل أعراض اضطراب النوم الشائعة في رمضان علامات ليلية ونهارية. من العلامات الليلية صعوبة بدء النوم، الاستيقاظ المتكرر أو المبكر، والنوم غير المريح الذي يسبب الإجهاد. أما العلامات النهارية فتتضمن النعاس المفرط، التشتت وضعف التركيز، تقلب المزاج، العصبية، انخفاض القدرة على تحمل الضغوط، الصداع الصباحي، الشعور بالتوتر، وانخفاض الأداء، بالإضافة إلى الرغبة المتزايدة في تناول السكريات والكافيين لتعويض نقص الطاقة.
تشمل مؤشرات اضطراب النوم التي تستدعي تقييمًا طبيًا، الشخير المرتفع مع انقطاع التنفس، النعاس الشديد رغم الحصول على ساعات نوم كافية، الأرق المستمر لأكثر من ثلاثة أسابيع، الاعتماد على المهدئات دون إشراف طبي، وأعراض القلق أو نوبات الهلع المرتبطة بالنوم. وترجع الدكتورة الأبلم أبرز مشكلات النوم إلى الجدول الاجتماعي الليلي الذي يتضمن السهر الممتد، تناول الكافيين والوجبات الثقيلة والمتأخرة، قلة الحركة نهارًا، الإفراط في استخدام الشاشات، القيلولات الطويلة، والقلق الموسمي، بالإضافة إلى حساسية البعض للصيام واضطرابات النوم الموجودة مسبقًا.
بروتوكولات لضبط الساعة البيولوجية في رمضان
وضعت الدكتورة الأبلم بروتوكولًا عمليًا لضبط الساعة البيولوجية في رمضان، يعتمد على تثبيت وقت الاستيقاظ، التعرض لضوء الشمس لمدة 20-30 دقيقة بعد الاستيقاظ لتحسين النعاس مساءً. كما ينصح بالالتزام بآخر موعد لتناول الكافيين قبل النوم بثماني ساعات على الأقل، وتجنب الوجبات الثقيلة قبل النوم بثلاث ساعات، والابتعاد عن السكريات والدهون الثقيلة في وجبة السحور. ويجب تجنب القيلولات الطويلة نهارًا والتوقف عنها بعد المغرب، مع الالتزام بنشاط بدني خفيف يوميًا لمدة 20-30 دقيقة بعد الإفطار بساعتين أو قبل الإفطار بوقت مناسب.
من جانبه، يوضح الدكتور مدحت الصباحي، استشاري الطب النفسي، أن المشكلة الأساسية في رمضان لا تكمن فقط في قلة النوم، بل في تغيّر هيكليته نتيجة إزاحة فتراته بسبب السهر، مما يؤدي إلى “نوم غير متصل” واختلال في الساعة البيولوجية. يؤثر هذا الاختلال على تنظيم أوقات النوم والاستيقاظ، ويزيد من الشعور بالخمول نهارًا، مما ينتج عنه سرعة في الانفعال، العصبية، وضعف القدرة على كبح المشاعر، وصعوبة في التركيز واتخاذ القرارات نتيجة اضطراب الذاكرة أثناء الصيام.
يشير الدكتور الصباحي إلى زيادة الشعور بالإرهاق النفسي والتوتر في الفترة الصباحية بسبب عدم اكتمال دورة النوم. وتعود هذه المشكلة إلى عادات ضارة مثل تناول الوجبات الدسمة والسكريات متأخرًا، وشرب المنبهات، مما يدفع الجسم لحالة استنفار ويؤدي إلى اضطراب النوم وزيادة المشكلات النفسية.
رمضان كفرصة لتحسين الصحة النفسية والجسدية
يرى الدكتور نوفل إياد، استشاري الطب النفسي، أن اضطراب النوم مشكلة عالمية وليست مرتبطة برمضان بحد ذاته، بل بالتغييرات التي تحدث فيه. ويذكر أن رمضان يقلل من ساعات العمل، مما يتيح فرصة أكبر للحصول على قيلولة. من المفترض أن ينام الإنسان من ست إلى ثماني ساعات يوميًا، ويمكن تحديد روتين يومي ثابت يشمل النوم مبكرًا والاستيقاظ للسحور والصلاة، ثم العودة للنوم لفترة قصيرة قبل بدء العمل.
قد يحصل الأفراد على معظم ساعات نومهم خلال النهار، لكنهم يشكون من أعراض نقص النوم بسبب التغيير المفاجئ في المواعيد واضطراب إفراز هرمون الميلاتونين، الذي يزيد إفرازه في الليل ويساعد الجسم على الحفاظ على التوازن والتحكم في دورات النوم والاستيقاظ. في المقابل، إذا تم استغلال أيام رمضان بشكل مثالي، فإنه يشكل فرصة ممتازة لإنقاص الوزن، راحة الجهاز الهضمي، وبناء بكتيريا نافعة جديدة في الأمعاء، مما يعود بالنفع نفسيًا وجسديًا، خاصة عند استبدال القهوة والكافيين بالشاي الأخضر.
تؤكد الأبحاث أن لصيام شهر رمضان فوائد إيجابية على الصحة، تشمل فقدان الوزن الزائد، تحسين مستويات الكوليسترول، ودعم الجهاز المناعي. لذلك، من الضروري التخطيط لنظام غذائي متوازن بعد رمضان للحفاظ على هذه الفوائد بشكل مستدام.
نصائح لتعزيز مستويات الطاقة والصحة في رمضان
قدم الأطباء أربع نصائح أساسية لتعزيز مستويات الطاقة والصحة خلال شهر رمضان. تشمل هذه النصائح اختيار وجبات إفطار وسحور متوازنة وغنية بالمغذيات، ممارسة الرياضة الخفيفة لتعويض نقص الطاقة، تنظيم مواعيد النوم بالخلود إليه مبكرًا مع أخذ قيلولة، وتوفير بيئة نوم مناسبة تتسم بالهدوء، البرودة، والابتعاد عن الإضاءة الشديدة.
أكدت الدكتورة هالة الأبلم أن ضبط الساعة الحيوية في رمضان يعتمد على تثبيت وقت الاستيقاظ والتعرض لضوء الشمس صباحاً. وشدد الدكتور مدحت الصباحي على أن الإرهاق النفسي والتوتر والأرق الليلي غالبًا ما تنجم عن عادات ضارة مثل تناول الوجبات الدسمة ليلاً. واعتبر الدكتور نوفل إياد أن رمضان يمثل فرصة لإنقاص الوزن وراحة الجهاز الهضمي بفضل تقليل ساعات العمل.
